الأفراد بالقوة العضلية النادرة كقوة القيصر الروسي إسكندر الثالث الذي كان يأخذ
بيده الريال الروسي فيجوفه بأصابعه فيجعله كفنجان القهوة ويضع فيه زهرة يتحف
بها بعض النساء في مجلسه. وكان الشيخ علي العمري عندنا في طرابلس الشام
يلوي بأصابعه حديد النوافذ ويمسح القطعة من النقد فيزيل حرشة نقشها، وله
غرائب في قوة العضل كانوا يعدونها من كراماته الكثيرة، ولم يعد أحد مثلها من
القيصر الروسي كرامات له. ولا غرو فالمتكلمون يجوزون وقوع خوارق العادات
من كل أحد حتى الفساق والكفار ووضعوا لها أسماء تختلف باختلاف حال من وقعت
لهم أو على أيديهم.
هذا وإن الروحيين من المتقدمين ومن فرنجة هذا العصر الذين يقولون: إن
أرواح الأحياء قد تتجرد من المادة الكثيفة، وإن أرواح الموتى قد تتجلى في مادة
لطيفة أو كثيفة تستمدها عن عناصر الكون - لم يثبت أحد منهم أنها قد أعطيت
التصرف في أمور العالم ونفع الناس وضرهم بل صرح بعضهم بأنها لم تعط هذا
ولا تقدر عليه.
وما نقل عن بعض كبار الصالحين العارفين من ادعاء ذلك فأكثره كذب وزور
لا تصح به الرواية عنهم، ومنه ما عدوه من الشطح الذي يصدر عنهم في حال
غيبة ثم يتوبون منه، ومنه ما يقصد به الأسباب الظاهرة كالبيتين المنسوبين للسيد
الجيلي قدس الله روحه:
على بابنا قف عند ضيق المناهج ... تفز بعلي القدر من ذي المعارج
ألم تر أن الله أسبغ نعمه ... علينا وولانا قضاء الحوائج
فقد كان - رحمه الله تعالى - ذا مقام رفيع عند الخلفاء وكبار الحكام فإذا
أوصى بكشف ظلامة لا ترد وصيته، وقد كان الأستاذ الإمام رحمه الله تعالى ممن
يصدق عليه معنى هذين البيتين، على أن علماء النقل قد قالوا: إن الجيلي كان ذا
كرامات صحيحة منهم شيخ الإسلام ابن تيمية، ولكن أكثر ما في كتب مناقبه كذب،
وبعضها ليس من الكرامة في شيء.
وهاهنا مسألة يغفل الناس عنها بيناها في المنار مرارا وهي كيف يصح أن
يكون أولياء الله الأحياء والأموات يتولون قضاء حاج المسلمين ودفع المضار عنهم
وجلب المنافع لهم بما أوتوا من التصرف في ملك الله الواسع بخوارق العادات ونحن
نرى المسلمين أسوأ حالا من سائر الأمم - ولا سيما الإفرنج - في صحتهم وسعة
عيشهم وعزهم وعظمة ملكهم؟ وسائر ما يطلبه الناس من هؤلاء الأولياء من أمور
دنياهم، فلماذا لا يتصرفون في الأسطول البريطاني مثلا؟ ونرى الذين لا يصدقون
بقدرة هؤلاء الأولياء على التصرف في أمور الكون من المسلمين أنفسهم أحسن حالا
في ذلك كله من المصدقين الذين وصفنا حالهم من قبل، سواء كان سبب إنكار هذا
التصرف كمال التوحيد والعلم الصحيح بالكتاب والسنة والاعتصام بهما، أو العلم
بسنن الكون ونواميسه وتواريخ الملل وكون هذه الخرافات قد انتقلت من الوثنيين
إلى أهل الكتاب ومنهم إلى المسلمين، فكانت مصداقا لقول النبي صلى الله عليه
وآله وسلم: (لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر
ضب تبعتموهم. أو: لدخلتموه) رواه الشيخان وغيرهما عن أبي سعيد وغيره.
تفاوت الأرواح وما تسعد به وتشقى:
هذا وإن ما ذكرناه من تفاوت أرواح البشر في أصل الخلق له أصل في
الكتاب والسنة يجب أن نعتبر به، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الناس معادن
كمعادن الفضة والذهب خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا،
والأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف) رواه مسلم
هكذا حديثا واحدا بهذا اللفظ عن أبي هريرة ورويا حديثين في كل من الصحيحين،
وفي بعض ألفاظ الحديث الأول: (إن الناس معادن في الخير والشر) أي إن
أنفسهم في أصل فطرتها التي تؤثر فيها الوراثة كمعادن الذهب والفضة والنحاس
والحديد والقصدير وغيرهن.
وقال الله تعالى: {ونفس وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها * قد أفلح