تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

(4) إن الأصل في الكرامات أن تكون خفية، وأن الأولياء لا يدعونها ولا

يظهرونها إلا لضرورة حتى قال السبكي إنه (لا يجوز إظهارها إلا بسبب ملزم،

وأمر مهم) فأين هذا وذاك من معمل الكرامات الكبير بل معاملها (فبريكاتها)

الكثيرة المعبر عن صناعاتها الدائمة بالتصرف في الكون؟ الذي ينقلون عن كل قبر

من قبور عماله الكثيرين ما لا يحصى من الكرامات لأحقر الأسباب كإصابة زيد من

الناس بداء قتال أو مرض عضال أو إماتته فجأة أو إصابته بجائحة في زرعه أو

هلاك لبهائمه لأجل استغاثة خصم أو عدو له بولي يستعديه عليه ولو بالباطل، أو

لأنه قال كلمة اعتراض وإساءة أدب مع صاحب القبر، كأن أولياءهم من الأشرار

الذين خلقوا للأذى والضرر. دع قسم المستشفيات من معمل التصرف في الكون الذي

يبرئ كل يوم ألوفا من المرضى الذين لا يذكر مرض أجسامهم في جانب أمراض

عقولهم وأديانهم.

(5) كون الكرامات الحقيقية لا تتكرر وعلله الشيخ محيي الدين بن عربي

في الفتوحات المكية بأن ما يتكرر يكون معتادا فلا يدخل في خوارق العادات،

ونحن نرى أن ما يدعونه للمتصرفين في الكون من (صادرات المعامل الدائمة)

يتكرر في كل يوم وفي كل ساعة.

(6) إن أكثر ما فشا ويتناقله الناس من الأمور التي يسمونها كرامات،

والكثير مما يصح نقله - من المصادفات التي يكثر وقوعها، وإنما الاعتقاد هو الذي

يحمل غير المدقق في معرفة أسبابها على جعلها من الكرامات، والجاهل بالمنطق لا

يفرق بين القضية الشرطية الحقيقية، كقولهم: إذا كانت الشمس طالعة فالنهار

موجود - والشرطية الاتفاقية، كقولهم: إن كان الإنسان ناطقا فالحمار ناهق. فإذا

استدعى أحد شيخا (وليا) على عدوه (أو حاله عليه كما يقولون) أو إذا أنكر منكر

على الشيخ وأصابه عقب هذا أو ذاك مصيبة في نفسه أو أهله أو ماله قال أصحاب

العقول الخرافية: إنه تصرف به، وقد وقع مثل هذا لنا ولأهل بيتنا كما وقع لغيرنا

مرارا ولم نعده من الكرامات. ولو شئنا أن نعد لنفسنا عشرات من الكرامات التي

يثبت مثلها لدجال الشيخ يوسف النبهاني لفعلنا وكنا أصدق منه في النقل، وأقدر على

الإتيان عليه بالشهود العدول من الأحياء.

(7) إن ما يعد بادي الرأي خارقا للعادة يجوز أن يكون له أسباب خفية،

ومنه ما يسميه علماء الكون فلتات الطبيعة. ومنه ما هو من خواص الأنفس

البشرية التي يتفاوت فيها الناس تفاوتا بعيدا، كالمكاشفة والتأثير النفسي في بعض

الناس ولا سيما أصحاب الإرادات الضعيفة وناهيك أصحاب الأمزجة العصبية من

النساء وبعض الرجال الذين يعتقدون أن لزيد من الأموات والأحياء سلطانا غيبيا

يتصرف به في الكون، فإن هؤلاء يكونون سريعي التأثر والانفعال بما يعتقدون

تأثيره حتى إن بعض الأطباء يعالجونهم بما للأوهام من السلطان على أنفسهم،

ولذلك تجد هذه الأنواع كثيرة الوقوع.

وقد وضحنا هذه المسألة في المنار مرارا، وشبهنا فيها أرواح البشر وأنفسهم

بأجسادهم في تفاوت الأفراد في قوتهما وضعفهما واختلاف استعدادهما واستعمالهما

لهذا الاستعداد.

مثال ذلك أن الروح هو المدرك من الإنسان وإدراكه غير مقيد لذاته بالحواس

التي هي آلات له ما دام محبوسا في الجسد بل يمكن أن يدرك بعض الأمور بذاته

في نوم أو يقظة، وقد يدرك بعض الأمور قبل وقوعها، وبينا أن هذا النوع من

الإدراك ليس من العلم بالغيب الذي استأثر الله تعالى به، وإنما هو غيب إضافي لا

حقيقي، وأن قلة هؤلاء المدركين لهذه الأمور لا ينافي أن إدراكها مما أودع في

الفطرة البشرية وجعل من مقدورها، على أنها في الغالب تقع بدون إرادة من

صاحبها، ومن غير الغالب أن تكون بتوجيه الإرادة إلى إدراك الشيء وحصر الهمة

في التوجه إليه وصرفها عما عداه حتى إذا انحصر التوجه وصرفت عن الفكر

الشواغل، أدرك الروح ما توجه إليه إدراكا ما، وضربنا له المثل في انفراد بعض

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ٢٣٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ٢٣٤