تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بهم، فيراجع هنالك، ونحن مضطرون إلى الإجمال فيما نسأل عنه مما سبق فيه

التفصيل كالمسألة السابقة على أنا نزيد على ما سبق بعض الفوائد مما تيسر لنا

لإفادة من قرءوا ما سبق شيئا جديدا.

روى أحمد وأبو داود من حديث جابر رضي الله عنه مرفوعا: (اقرءوا

القرآن وابتغوا به الله تعالى من قبل أن يأتي قوم يقيمونه إقامة القدح يتعجلونه ولا

يتأجلونه) وله ألفاظ أخرى، ومعناه أنهم يقيمون ألفاظه ويضيعون أحكامه،

ويتعجلون أجره في الدنيا ولا يدخرون ثوابه الآجل عند الله في الآخرة. والقدح

- بالكسر - عود السهم قبل أن يراش ويركب فيه النصل. وفي معناه حديث عمران

ابن حصين رضي الله عنه عند الترمذي وحسنه: (من قرأ القرآن فليسأل الله به فإنه

سيجيء أقوام يقرءون القرآن يسألون به الناس) رواه أحمد أيضا وأقوى منه ما رواه

أحمد بسند رجاله ثقات من حديث عبد الرحمن بن شبل مرفوعا: (اقرءوا القرآن ولا

تغلوا فيه ولا تجفوا عنه، ولا تأكلوا به ولا تستكثروا به) .

وفي معنى ذلك أحاديث أخرى بعضها في وقائع ونوازل حدثت، وفي أسانيد

كل ما روي في هذا الباب بعض العلل ولكن بعضها يقوي بعضا وهي واردة في

أصل صحيح. وقد ورد في مقابلها ما يدل على جواز الانتفاع بالقرآن في مصالح

الدنيا كحديث الصحيحين فيمن زوجه النبي صلى الله عليه وسلم امرأة على أن

يعلمها ما معه من القرآن بدل المهر. وفي رواية لأبي داود: علمها عشرين آية

وهي امرأتك.

الجواب عن الحديث:

ومنها الحديث الوارد في السؤال، وسببه أن نفرا من الصحابة رضي الله

عنهم مروا بحي من أحياء العرب فاستضافوهم فأبوا أن يضيفوهم، فلدغ سيد الحي

فسعوا له بكل ما علموا فلم ينفعه فسألوا أولئك النفر هل عندهم من شيء؟ فقال

أحدهم: إنه يرقي وطلب الجعل على الرقية؛ لأنهم لم يضيفوهم فجعلوا له قطيعا من

الغنم فرقاه بفاتحة الكتاب فشفي فأعطوهم القطيع فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه

وسلم فأقرهم عليه وقال: (إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله) روى البخاري هذا

اللفظ للحديث المرفوع عن ابن عباس وروى الجماعة إلا النسائي القصة من حديث

أبي سعيد الخدري وفيه أنه صلى الله عليه وسلم قال: (وما يدريك أنها رقية) أي

الفاتحة ثم قال: (اقتسموا واضربوا لي معكم سهما) أي قاله تطييبا لقلوبهم؛ لأنهم

شكوا في جواز أكلها كما قيل.

وقد استدل بعض العلماء بهذه الأحاديث على جواز أخذ الأجرة على تعليم

القرآن دون التعبد بتلاوته، ومنع ذلك آخرون وأجابوا عن الحديثين بأجوبة أظهرها:

أن ما وردت فيه أخص من المدعى. وحديث الرقية يدل على جوازها وجواز أخذ

الأجرة عليها إذا لم يكن فيها شيء من الباطل كما ورد في حديث راق آخر بالفاتحة

قال له النبي صلى الله عليه وسلم حين سأله عما أعطي عليها: (خذها فلعمري من

أكل برقية باطل فقد أكلت برقية حق) رواه أحمد وأبو داود عن خارجة بن الصلت

عن عمه ورجاله رجال الصحيح إلا خارجة وقد وثقه ابن حبان وقال الحافظ في

التقريب: مقبول من الثالثة، والرقية بالقرآن لا يقصد بها التعبد به لأجل الثواب

والقربة وإنما يقصد بها تقوية روحانية الراقي؛ لأجل أن تؤثر روحه وإرادته في

نفس المرقى تأثيرا يغلب أثر الألم فلا يقاس عليها التعبد به لأجل الثواب، ثم إهداء

الثواب إلى من لم يقرأ لينتفع بعبادة غيره.

(فإن قيل) : قد ثبت في حديث الذين يدخلون الجنة بغير حساب في

الصحيح أنهم (الذين لا يرقون ولا يسترقون ... ) . فالجواب أن الرقية ليست دواء

يشفي من الألم أو المرض باطراد، بل الغالب فيها تأثير الاعتقاد أو تأثير نفس ذات

إرادة قوية روحانية في نفس أخرى بحسب سنة الله في البشر لذلك كانت تنافي

التوكل الذي هو الأخذ بسنن الله الثابتة في الأسباب والمسببات الصحيحة وتفويض

الأمر إلى الله وحده فيما لا يعرف له سبب صحيح. وقد فصلنا هذه المسألة من قبل

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ١٩٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ١٩٧