تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الجزاء - وكان أول ما سألني عن أحوال مسلمي جاوه وملايو فأخبرته بما علمت،

وظهر لي أنه متأسف من انحطاطنا في الأمور الدينية والدنيوية وأنه مهتم بأمورنا

الدينية بل والدنيوية، ولم يكن أحد منا يعرف اللغة العربية سوى كاتب هذه الأسطر.

وكنا نود لو نقرأ على السيد ونتعلم منه العلوم العربية والدينية وغيرها من

العلوم العصرية، ولكن لم يجد وقتا لذلك لكثرة أشغاله واشتغاله بما هو أكبر من

إقرائنا وتعليمنا من الإصلاح الديني والدنيوي العام، ومع ذلك لم تفتنا إراشاداته

وإفاداته وذلك قبل تأسيس مدرسة دار الدعوة والإرشاد، وأما بعد تأسيسها وفتحها

فقد كنت أنا والفقيد - رحمه الله - نحضر دروس التفسير والتوحيد التي ألقاها السيد

في المدرسة، ولم نحرم ولله الحمد ما كنا نوده ونتمناه، وكنت أنا والفقيد - رحمه

الله - نتعلم في الأزهر الشريف ويأخذ كل منا معلما خصوصيا بأجرة وبغير

أجرة.

وكان - رحمه الله - يقرأ النحو والصرف والفقه ويشتغل بحفظ اللغة العربية،

ولم يمكث سنة واحدة بمصر إلا وهو يعرف النحو والصرف وينشئ باللغة العربية،

ثم أسست مدرسة دار الدعوة الإرشاد بالروضة بجهة مصر القديمة وكان ناظرها

ومديرها العلامة صاحب المنار، ودخلت أنا والفقيد - رحمه الله تعالى - في هذه

المدرسة المباركة بعد امتحاننا فيما اشترطته في طلابها من العلوم التي تعلموها.

وكان الفقيد - رحمه الله تعالى - يجاري طلبة المدرسة المصريين الذين طلبوا

العلم في الأزهر نحو ثماني سنين في العلوم التي تعلم فيها غير أنه رحمه الله لم

ينطلق لسانه بالتكلم باللغة العربية انطلاق ألسنة المصريين، وفي سنة 1331

سافرت إلى وطننا (سمبس) والفقيد لم يزل يطلب العلم في المدرسة، ويشتغل

بالمطالعات والمذاكرات والمكاتبات، ثم خرج من المدرسة واتخذ معلمين

خصوصيين لم يفارقهما حتى سافر إلى (سمبس) أول سنة 1335 وكان قصده التوجه

أولا إلى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج، ثم إلى وطنه ولكن لم يحصل على إذن

الحكومة المصرية في السفر إلى الحجاز (كانت الأيام أيام الحرب الأوربية الهائلة

التي كانت الإنكليز تخاف فيها السياسة) وكان - رحمه الله - متهما بالاشتغال

بالسياسة لما وجدته الحكومة المصرية من بعض كتبه إلي، الذي فيه ذكر أخبار

الحرب، وكان لا يكتب إلي إلا باللغة العربية.

ولما وصل الفقيد رحمه الله تعالى إلى (سمبس) أحبه مولانا السلطان وازداد

رغبة في إنشاء مدرسة تعلم فيها اللغة العربية وعلومها والعلوم الدينية والدنيوية

كالجغرافية والحساب، وأمر الفقيد بتأليف نظام للمدرسة المرغوب وجودها في

سمبس، فألف رحمه الله نظاما بموجب الأمر السلطاني مقتبسا من نظام مدرسة دار

الدعوة والإرشاد.

وفي شهر ذي القعدة الحرام سنة 1336 تأسست في (سمبس) والحمد لله

مدرسة عربية دينية تسمى (المدرسة السلطانية) وكان ناظرها ومديرها وأكبر

أساتذتها فقيدنا المرحوم المأسوف عليه، فكان الإقبال على هذه المدرسة أطال الله

عمرها عظيما من أهل البلد، فأدخلوا فيها أبناءهم وبناتهم حتى خرج كثير من طلبة

مدرستي الحكومة وانتظموا في سلك تلاميذها، ومن يوم تأسست المدرسة وفتحت كان

وما زال رحمه الله يشتغل بالتعليم فيها إلى 10 رجب الفرد سنة 1338 الموافق 1

مارس سنة 1920 فإنه - رحمه الله - استأذن مولانا السلطان في السفر إلى الحجاز

لأداء فريضة الحج وزيارة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - في المدينة المنورة.

وفي 23 رجب سنة 1338 الموافق 13 أبريل سنة 1920 سافر رحمه الله

إلى سنغافورة فإلى مكة المكرمة، وقبل أداء فريضة الحج حصل له فيها نزيف

شديد من فمه فذهب مسرعا إلى طبيب الحكومة الحجازية وفحصه ثم فحصه

وعالجه طبيب جاوي أرسلته الحكومة الهولاندية إلى مكة وقال له: إن هذا الداء هو

السل وإنك لا بد أن تسافر سريعا إلى جاوه، وبعد أن أدى رحمه الله فريضة الحج

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ٢٨٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ٢٨٣