الجبال بيوتا فارهين} (الشعراء: 149) لكفى، فكيف وهناك جرش وما فيها
وتدمر التي كانت عروس المشرق، ومن الأنباط الحوريون الذين يقال لهم العمالقة
كانوا جنوبي نهر الأردن.
ثامنا: عند مجيء إبراهيم الخليل إلى سورية كان في هذه البلاد عنصران
أحدهما الحتيت في الشمال، والثاني العرب الكنعانيون والعموريون الكنعانيون في
الجنوب، وقد وجد إبراهيم ملكي صادق، الملك الموحد الذي كان نظير إبراهيم يعبد
العلي الأعلى، وأدى إليه إبراهيم العشر. وإن العلامة هبرخت مؤلف كتاب الحفريات
الأثرية في القرن التاسع عشر يذهب إلى أن ملكي صادق كان عربيا، فلينظر
الإنسان في أي دور كان العرب ملوكا ودولات في سوريا.
تاسعا: اتفق المؤرخون على كون أساس المدنيات القدمى هو الديانة والتجارة
وكل الآثار تنبئ عن أن أكثر مراسم الديانة في سورية آتية من جنوبي جزيرة
العرب، وأهم مراسم اليهودية مأخوذة من ديانة (مدين) وهي يمانية بحتة،
والفينيقيون سكان سيناء كانوا عربا من اليمن أيضا.
هذا ومن اطلع على كتب (ولهاوزن) الألماني و (روبرت سميث) الإنكليزي
المؤرخين البحاثين في الأمور الدينية - يرى أن أكثر هذه المسماة بالطقوس آتية من
جزيرة العرب. كما أن المؤرخ الأميركاني هارون بورتون ذهب إلى أن كل الأديان
السامية هي من العرب. أما التجارة فمن المقرر أن أكثرها كان مع اليمن، وأنها
كانت سبب سعادة سورية حتى أن ثروة سليمان بن داود الشهيرة كان معظمها من
الاتجار مع اليمن، ولا يخفى أنه باستمرار القوافل بين اليمن وسورية كثر طراء
العرب على الديار السورية وأوطنوها وتمكنوا وتشعبوا فيها.
عاشرا: وجد الضجاعمة من عرب اليمن في حوران وجنوبي سورية قبل
الإسلام بأحقاب متطاولة، وفي زمن النبي إيليا - أي قبل المسيح بنحو ستمائة سنة -
جاء القائد نعمان العربي من الشام يستشفي من البرص عند اليشع تلميذ إيليا، ثم
كان بنو سليج وكانوا يحكمون حتى أبواب مدينة دمشق، أما الغساسنة وهم من الأزد
من عرب اليمن أيضا فقد كانوا في فلسطين والشام وتدمر وكانت لهم القوة والصولة
وبقيت عنهم الآثار الباهرة واستمر ملكهم نحو ستمائة سنة فيما أتذكر، إلى أن ظهر
الإسلام. فأنت ترى تعاقب الدول العربية على سورية من أيام الكنعانيين وملكي
صادق إلى الأنباط والعمالقة والفينيقيين إلى الضجاعمة إلى الغساسنة، وكل من هذه
الأمم انبسطت وامتدت وتركت ملايين من الذراري في أرض سورية.
حادي عشر: كان الغالب على سورية العنصر الوارد إليها من الجزيرة
العربية قبل الإسلام فكيف من بعده؟ ! وقد جاء العرب المسلمون وفتحوا البلاد
واندفق سيل المهاجرة من كل حدب واستمر ثلاثة عشر قرنا إلى اليوم، ومما قرره
علماء التاريخ أن الحواضر السورية تكسب كثيرا من البوادي حتى أن بعضها قد
ينقرض لولا طراء البادية، وليس ورود العرب على سورية وإيطانهم سورية هما
من قبيل الحدس والتخمين، وأن ذلك عقلا لا بد أن يكون هكذا، بل مئات ألوف
من أهل سورية الآن يحفظون أنسابهم ويعرفون أنفسهم أنهم عرب ومنهم من عنده
كتابات خطية تثبت دعواه ومنهم من يعتمد على التواتر، ومنهم من انقطعت به
أسباب العلم عن معرفة أصله، ولكنك تعرفه عربيا من سحنته.
ثاني عشر: أما كون أهل سورية أسلموا لدن الفتح العربي، فنريد عليه دليلا
واحدا، نريد تاريخا أو نصا مبينا أو قرينة قاطعة، لا يكفي في ذلك مجرد الظن؛ لأن
الظن لا يغني من الحق شيئا، نعم إننا لا نستبعد أن يكون كثير من الأفراد عند الفتح
وبعد الفتح على توالي القرون دخلوا في الإسلام، ولكن لا يؤدي دخول هؤلاء إلى
كون السواد الأعظم من أهل سورية كانوا يوم الفتح الإسلامي نصارى أو يهودا
وأسلموا، كما أن وجود العرب نحو مائة سنة في جنوب فرنسا وتنصر من بقي منهم
هناك بعد جلاء الحكومة العربية عن تلك البقاع، لا يفيد كون معظم أهل جنوبي فرنسا