تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الأصل ووشيجة الرحم بين العرب والسريان، فنسبة السريان إلى العرب ليست أبدا

من قبيل نسبة الفرنسيس ولا الإنكليز ولا شعب من الشعوب الأوربية إلى العرب،

بل هي نسبة أبناء عموم السلالة بحيث إن الفرق بينهم هو كالفرق بين الفرنسوي

والإيطالي أو الإسبانيولي ممن تجمعهم اللاتينية أو هو أقل من ذلك.

ثالثا: إن أكثر المستشرقين الأوروبيين لا يرون في أكثر الأمم السامية إلا

بطونا من العرب، وإن السريانيين هم في الحقيقة الآراميون، وإن الآراميين كان

فيهم عرب كثير؛ لأنه ليس المقصود بالآراميين شعبا ذا عرق واحد، بل معنى

كلمة الآراميين: سكان البلاد العالية، كما أن معنى كلمة الكنعانيين: سكان السهول،

كما أنه في أواسط آسيا يوجد الإيرانيون والطورانيون، وقد يتوهمونهم شعبين

منفصلين نسبا، والحال أن معنى الإيرانيين: سكان الحواضر، ومعنى الطورانيين:

سكان البوادي، ولقد ثبت كون العرب سكنوا سورية من على عنق الدهر راحلين إليها

من الجنوب فدخل منهم من سكان السهول في الكنعانيين واندمج من سكان الجبال في

الآراميين، وهؤلاء الآراميون لم يتسموا سريانا إلا فيما بعد، سماهم بذلك اليونان.

وادعاء الكاتب أن السريانيين السوريين هم السريان أهل بابل وآشور - ولهذا هو

يفتخر بمدنيتهم - هذا فيه ما فيه، فإن المؤرخين لا يخلطون بين السريان والآشوريين

كما خلط حضرته جهلا أو تجاهلا لغرض في النفس.

رابعا: ذهب الأستاذ (سبرنغر) الألماني في كتابه (حياة وتعاليم محمد صلى

الله عليه وسلم) وكتابه الآخر الشهير (جغرافية بلاد العرب القديمة) إلى أن

جزيرة العرب هي مهد جميع الساميين، وممن ذهب إلى ذلك من فحول العلماء:

الأستاذ سايس الإنكليزي في كتابه (أجرومية اللغة الآشورية) ومثله الأستاذ شرودر

الألماني أعلن هذا الرأي في مجلة الشرق الألمانية، ومثله الأستاذ رايت في كتابه

(أجرومية الألسن السامية) وهو المدرس بكلية كمبردج، ثم العلامة ماكس مولر قال

هذا القول نفسه وغير هؤلاء من العلماء والمحققين ذهبوا إلى أن جزيرة العرب هي

مهد الأمم السامية بأسرها فيكون السوريون بحكم الضرورة عربا في الأصل كما لا

يخفى، وذهب آخرون إلى أن أصل الأقوام السامية هو من إفريقية هاجروا إلى جزيرة

العرب وفيها نشأوا ونموا وتقرمت مميزاتهم ومنها خرجوا إلى سائر الأقطار، ومن

أصحاب هذا القول روبرت سميث الإنكليزي وبارتون الأمريكاني وغيرهما، وعلى

كلا المذهبين يكون مرجع السوريين إلى العربية.

خامسا: في عهد العائلة المصرية السادسة أنفذ قائد فرسان من مصر لارتياد

أراضي سورية فلم يجد هناك سوى الكنعانيين، ولم يقف يومئذ على أثر

للفلسطينيين ولا للعبرانيين هذا في كتاب العلامة الهولندي تيل، وإن كثيرا من

المؤرخين البحاثين لا يرون في الكنعانيين إلا بطنا من العرب، ثم إن المصريين

الأقدمين حاربوا جيلا اسمهم الشاسو في جهات سيناء وجنوبي سورية وهذا الجيل

كان عربيا.

سادسا: الفينيقيون هم في سورية قبل السريان وقبل الآراميين وقد ذكر

هيرودتس أن قسما من الفينقيين جاءوا إلى جهة خليج فارس كما أن العلامة

الإنكليزي بينت أجرى حفريات كثيرة في جزيرة البحرين استنتج منها كون

الفينيقيين هم من هناك، وأن قسما آخر من الفينيقيين جاءوا من سواحل البحر

الأحمر، وعلى كلا الحالين فهم عرب من نفس جزيرة العرب، وبعد أن يثبت كون

الفينيقيين عربا لا يبقى محل للنزاع في عروبية القسم الأعظم من أهل سورية ولا

في الدرجة العليا التي يحلها العرب في تاريخ المدنية قبل الإسلام فضلا عما بعده.

سابعا: الأنباط هم عرب يمانيون وقد كانت لهم في سورية دولة وصولة

ومدنية ضخمة تدل عليها آثارهم وأخبارهم، وكانت لهم جرش وصرخد وتدمر

ووادي موسى (بترا) وإن لم يكن من صنعهم سوى وادي موسى {وتنحتون من

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ٢٧٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ٢٧٩