أصلهم من المسلمين، بل يقال إن كثيرا من العائلات في هاتيك الديار ترجع إلى
العرب، كذلك تنصر عشرات ألوف من عرب الأندلس وربما مئات ألوف عندما
حملهم فرديناند وايزابلا ثم ديوان التفتيش الشهير بعدهما ثم فيليب الثاني على اعتناق
النصرانية بالسيف والنار، وربما خيروهم بين التنصر والجلاء، فالذي عز عليه دينه
جلا، والذي عز عليه ملكه ووطنه تنصر، ورغم هذا فلا يستطيع مؤرخ أن يقول:
إن أكثر سكان أسبانيا أصلهم عرب، فهذه الرواية التي معناها أن أكثر أهل سورية
أسلموا عند الفتح العربي لا صحة لها، والصحيح أن الأمة الفاتحة غلبت ونمت كما
هو شأن جميع الأمم الغالبة وأن الأمم المغلوبة ضعفت وتناقصت كما هو شأن جميع
الأمم المغلوبة على أمرها ودخل في سورية أقوام كثيرة من المسلمين غير العرب
فاستعربوا وصاروا عربا، منهم الأتراك ومنهم من المغول ومنهم من الأكراد ومنهم من
الشركس ومنهم مغاربة دخلوا في أيام الفاطميين وغير ذلك، ففاق عدد المسلمين في
سورية كثيرا على عدد سائر الملل بهذه الأسباب العديدة.
ثالث عشر: ينبغي لمثل هؤلاء الذين يرمون الكلام على عواهنه ويقولون:
إن السوريين هم سريان، أن يراجعوا التواريخ العربية ما كان منها على منازل
الأعراب ودخولهم في الحواضر كالقلقشندي والمقريزي، وعلى تواريخ الحروب
الصليبية التي حررها مؤلفو العرب، وعلى كتب التراجم وأنساب بعض العائلات
والعشائر، وعلى أخبار القيسية واليمنية وعلى الجغرافيات العربية القديمة بحيث
يتكون عندهم التصور اللازم لمعرفة الحقيقة، بل لا يكفي هذا وحده حتى يقترن
بالتنقيب بين سكان البلاد وسؤال قبيلة قبيلة وقرية قرية عما يعلمون من أصولهم،
وبعد ذلك يظهر أنه ليس الجهل الذي فشا والعلم الذي طمس هما اللذان جعلا أهل
سورية يقولون (نحن عرب) بل الجهل بتاريخ العرب وبأنسابهم والاقتصار على
رواية واحدة هما اللذان أديا إلى القول الجديد: (إن السوريين سريان) إن
العرب هي الأمة الوحيدة التي يستوي عاميها وخاصيها في معرفة نسبه، ولم يبلغ
انحطاط العلم في سورية ولا مرة أن جهل العرب فيها أصولهم، وما على المرتاب إلا
أن يجول بنفسه في البلاد ويستقصي من أهلها عن أصلهم ليلمس الحقيقة لمسا.
رابع عشر: إن كثيرا من نصارى سورية هم من أصل عربي: غساسنة
وغيرهم، منهم من بقي بحوران ومنهم من جلا إلى دمشق وحاصبيا وبعلبك
وزحلة وجبل لبنان، ولا يلزمني الآن أن أتعرض لأسماء هذه البلدان التي تعرف
أنفسها. ولعلنا نذكر ذلك مرة أخرى، وإن طائفة الدروز هم من قبائل لخم وجذام
وبطون أخرى جاءت آباؤهم أيام الفتح إلى معرة النعمان ثم أسكنهم الخلفاء
العباسيون جنوبي لبنان وأن أكثر طائفة الشيعة هم من عاملة من عرب اليمن جاءوا
إلى الشام ونزلوا بجبل سمي بهم وهو جبل عاملة أو بلاد بشارة، ولست أدعي أنني
على شيء من الإحاطة بأنساب عرب سورية، فإن ذلك بحر زاخر لا ساحل له لكن
المعروف منه عندنا هو مما تضيق عنه هذه العجالة. وبالاختصار: فالسواد
الأعظم من مسلمي سورية وطوائف سورية المتشعبة من الإسلام هم عرب ثم
مستعربون من أمم غير سامية، وإن قسما عظيما من نصارى سورية هم عرب
صراح لا جدال فيهم، وأن بين الطائفة المارونية ذاتها التي تنتسب إلى السريانية
بطونا كثيرة عربية جلت إلى لبنان من حوران باعتراف المؤرخين اللبنانيين من
أهل التحقيق، وسواء أراد بعض السريان أن يفصلوا أنفسهم من العرب بعد أن
استعربوا منذ دهور أو لم يريدوا، فإن الأكثرية الطاحنة في سورية هي للعرب
الحقيقيين. انتهى. شكيب أرسلان
حاشية للمصحح: هل كان التغلبيون الذين حاربوا مع عبد الملك ضد خلافة
عبد الله بن الزبير مسلمين؟ هل كانت جيوش العرب المنتصرة التي حاربت مع
العرب في العراق ضد العجم مسلمة؟ هل ينكر أن بني الخازن وبني حبيش وآل