شاكلهما من المصادر والأفعال التي يصفونها بالجمود.
وجواب هذا أن الأفعال والمصادر التي لم يسمع لها فروع في الاشتقاق جاءت
على ضربين:
(أحدهما) : ما يكثر استعماله في موارد كلام العرب من غير أن يتصرفوا
فيه مثل (ويل وويح ونعم وبئس) وما يماثلها، وعدم تصريفهم لها مع كثرة ترددها
في محاوراتهم ومخاطباتهم دليل على قصدهم لإبقائها على هيئاتها، فمن تصرف فيها
فقد أتى بها على وجه قصد العرب إلى تركه، والناطق بما يقصدون إلى إهماله ناسج
على غير منوالهم وناطق بغير لهجتهم.
(ثانيهما) : ما لا يكثر في مخاطباتهم ولا يدور على ألسنتهم حتى يستفاد
من وروده بهيئة واحدة أنهم قصدوا إلى ترك تصريفه، وهذا هو الذي نعمل به على
طبق القاعدة وإن لم يبلغنا أو يبلغ الواضعين للقواعد أن العرب تلفظوا فيه بصورة
موافقه لها، فيصح لواضع القاعدة أو مقلده متى اطلع على فعل أو مصدر من هذا
النوع أن يشتق منه وصفا بمقتضى القاعدة وإن لم يره مستعملا في العربية الفصحى.
قال أبو عثمان المازني: ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب، ألا ترى
أنك لم تسمع أنت ولا غيرك اسم كل فاعل ولا مفعول، وإنما سمعت بعضها فقست
عليه غيره؟ وقال ابن جني بعد أن سرد أمثلة من اسم المكان والمصدر الوارديان
على وزن اسم المفعول: هذا كله من كلام العرب، ولم يسمع منهم ولكنك سمعت ما
هو مثله وقياسه.
فإذا اشتق العرب صيغة للدلالة على معنى واستعملوها في أمثلة كثيرة فإنا
نأخذ فيها بمذهب القياس، ولهذا ترى سيبويه يصرح باطراد ما كان على وزن
(فعال) من أسماء الأفعال (كنزال ودراك) وخالفه المبرد فقال: هو مسموع فلا
يقال: (قوام وقعاد) إذ ليس لأحد أن يبتدع صيغة لم تقلها العرب، وقد عرفت أن
الذي يفرغ الكلمة في قالب أبرزت فيه العرب أمثلة كثيرة على وجه منتظم لا يقال
عليه أنه ابتدع صيغة لم يقلها العرب، وليس للمبرد سوى أن ينازع في المقدار الذي
سمع من صيغة (فعال) فيرد القياس بأن المقدار المسموع فيها لا يكفي في الدلالة
على قصدهم لاطرادها.
وجرى الشيخان في صيغة (فعال) الواردة في النسبة نحو (بزاز وعطار)
على عكس هذه المسألة، فذهب سيبويه إلى أنها غير مقيسة مع اعترافه بكثرة
مواردها، ورأى المبرد أن المقدار الوارد من أمثلة هذه الصيغة يكفي لجعلها قياسا،
فيقال - عنده - لصاحب الدقيق: دقاق، ولصاحب الفاكهة: فكاه، ولصاحب
الشعير: شعار، وقول صاحب القاموس ويقال لصاحب الحبر: حبري - لا حبار -
مطابق لمذهب سيبويه.
(يتبع)
((يتبع بمقال تال))
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">