منتظرا وعده الأهالي أمرا متفقا عليه بين الحلفاء - ومنهم ملك العرب - فتلقاه
النصارى كالمسلمين بالرضاء والتسليم.
وههنا ظهر تقصير المسلمين وجهلهم بالسياسة وطبائع الاجتماع؛ إذ شكلوا
الحكومة السورية المؤقتة أولا والحكومة العربية ثانيا من أنفسهم ولم يطلبوا كبراء
النصارى في الجاه والعلم إلى التشاور والاشتراك في تأليفها، وقد بحثت في هذه
المسألة في بيروت وغيرها فاعترف لي بعض من ذاكرت فيها من المسلمين
بالتقصير، وأنه لم يكن سوء نية إذ لم يكن عن تشاور بين المسلمين أنفسهم حتى
قال: إنهم استأثروا بالأعمال وتعمدوا أن يكونوا وحدهم حكام البلاد، بل كانت
الأعمال في ذلك فردية فكل من يطمع في وظيفة يسعى إليها، وإنما كان جل السعي
إلى ذلك من أفراد المسلمين لما سبق لهم من التصدي لخدمة الحكومة والتعلم في
المدارس العثمانية الرسمية لأجل ذلك، وقلما كان النصارى يتصدون لذلك
ويستعدون له أو يدخلون مدارس الدولة التي هي الوسيلة إليه، ولو كان للمسلمين
حزب سياسي منظم لما فاته أن يغتنم هذه الفرصة لإتمام ما تأسس في تلك
التطورات العربية من أسباب الاتفاق ودواعيه، نعم إنه كان في البلاد جمعية
سياسية سرية لها علاقة وارتباط بالأمير فيصل، ولكن أكثر أفرادها من الشبان
الذين لم ترتق بهم السياسة إلى مثل هذا الفكر.
لم تكد تستقر الحكومة العربية الفيصلية بالاحتلال العربي حتى تبعها الاحتلال
المختلط من الإنكليز والفرنسيس الذي قسم سورية الشمالية إلى منطقتين غربية
ساحلية احتلتها الجنود الفرنسية وجعلت لها السيطرة عليها تحت رياسة القيادة
الإنكليزية المحتلة معها، وشرقية داخلية احتلتها الجند العربي باسم حكومة الحجاز
وإن كان الجند نفسه مختلطا والمنظم منه مؤلفا من السوريين والعراقيين، وقد جعل
له السيطرة في هذه المنطقة تحت رياسة القيادة البريطانية أيضا، وكان هذا التقسيم
مقدمة لتنفيذ اتفاق سنتي 1916، 1917 وقد اعتمدت السلطة الفرنسية في إدارة
المنطقة الغربية على صنائعها من النصارى - ولا سيما الموارنة منهم - فأكثرت من
الموظفين من هؤلاء فكانت كثرتهم مخرجة لمثل عددهم من المسلمين؛ لأن أكثر
أعمال الحكومة كانت بأيديهم من عهد الترك، ورأى النصارى أن الدولة قد دالت لهم
فرضوا بذلك وسروا به، ولم يكن للمسلمين يد عندهم في تلك الأيام القليلة التي
صار أمر الحكومة إليهم فيها فأعرضوا عن المسلمين، بل صاروا يؤذونهم بالقول
والفعل واعتزوا عليهم وعتوا عتوا كبيرا لم يفعل المسلمون شيئا منه في دولتهم التي
تعد بالأيام لا بالشهور ولا بالسنين، ونسوا كل ما كان قبل ذلك من حرص المسلمين
على الاتفاق معهم قبل الحرب العامة حتى رضوا أن يكون لهم نصف الأعضاء في
مصالح الحكومة المنتخبة وغير المنتخبة، وذلك فوق ما تقتضيه النسبة العددية
العادلة التي تجري عليها جميع الدول الراقية، وما كان من عطفهم عليهم وتضامنهم
معهم في زمن الحرب، وقد اشتهر ما وضعوه من الأناشيد في ذم المسلمين وإهانتهم
وإنشادها في الشوارع والأسواق في بيروت في يوم عيد الفصح، ولولا أن اعتصم
المسلمون بالصبر والحلم لوقعت يومئذ مقتلة فاضحة تعد سبة لسورية ما بقي الدهر.
على أن المسلمين لم يكونوا قد يئسوا من سعي فيصل إلى استقلال جميع
سورية وجعل حكومتها عربية، بل كان رجاؤهم في ذلك عظيما، وقد شهد لهم
بعض كبراء الضباط الإنكليز على المسيحيين ولا نحب أن نشرح ذلك ونطيل فيه
لئلا يعد انتصارا منا لأهل ملتنا، ونحن إنما نكتب لأجل التأليف والاتفاق لا لتقوية
الشقاق، وغرضنا أن نقول: إن مسلمي بيروت شعروا في هذه الحالة بشدة حاجة
البلاد في هذه المنطقة إلى الاتفاق بينهم وبين النصارى على الوحدة الوطنية ولكن
لم يجدوا منفذا للسعي، ويقابل ذلك في المنطقة الشرقية - حيث يقل المسيحيون -