(ثانيها) : ما يجيء مخالفا للقاعدة في أكثر مخاطباتهم وورد على وفق
القاعدة في أمثلة قليلة، كإيرادهم اسم الفاعل من (أبقل) على وزن (فاعل)
فقالوا: (مكان باقل) وقياسه (مبقل) وقد تكلموا في بعض الأوقات، ومن هذا قولهم
في أفعل التفضيل من الخير والشر (خير وشر) وقياسه (أخير وأشر) وقد نطقوا به
في بعض الأحيان، وهذا يجوز لك العمل فيه على الوجهين، بيد أن الوجه الأكثر في
السماع أرجح لأنك تتكلم بلهجة قوم رجحوه ولأنه مألوف عند المخاطبين أكثر من
الوجه الذي قل في السماع.
وما يرد في القراءة الصحيحة مخالفا للقاعدة والمسموع من كلام العرب فيما
يظهر كقراءة (معائش) بالهمزة، نعطيه حكم هذا القسم فنستعمل (معايش) مهموزة
وغير مهموزة ولا نقيس على المهموزة غيرها مما كان على وزن مفعلة.
(ثالثها) : ما لم يدر في كلامهم كثيرا وإنما هي الكلمة أو الكلمات ترد في
شعر أو نثر نادر مخالفة للقاعدة مثل ما حكي من قولهم: فرس مقوود ورجل معوود
من مرضه، فهذا لا يؤخذ به في استعمال الكلمة نفسها فضلا عن أن يتخذ قياسا.
(رابعها) : أمثلة كثيرة تجيء على خلاف ما وضعوه قاعدة، وهذا يحتمل
ثلاثة أنظار (أحدها) طرح هذه القاعدة وعدم العمل عليها؛ لأنها ركبت على
استقراء ناقص جدا.
(ثانيها) الاعتداد بها وإجراؤها فيما لم يسمع فقط، ثم الاقتصار فيما خالفها
على ما ورد به السماع.
(ثالثها) التمسك بها والعمل عليها فيما سمع مخالفا لها أيضا بحيث يكون
اللفظ ذا وجهين، وهما الوجه المسموع والوجه الذي تقتضيه القاعدة.
ومن مواقع هذه الأفكار مصادر الفعل الثلاثي، قال أحد النحاة: إنما يعتمد
فيها على السماع ولا يصح القياس على ضوابطها، ولو عدم السماع لأنها كثيرة
الانتقاض وذهب سيبويه إلى القياس عليها فيما إذا ورد فعل ولم نسمع كيف تكلموا
بمصدره ولا يصح أن نقيس مع وجود السماع، وأجاز الفراء القياس عليها ولو فيما
ورد السماع على خلافها.
ومقتضى مذهب الفراء حيث أجاز القياس في قواعد كثيرة الانتقاص وهي
مصادر الثلاثي، ولو فيما ورد السمع بخلافها أن يجيز القياس فيما ورد به السمع
مخالفا للقواعد الثابتة كقاعدة التصغير واسم الفاعل بأحرى، فيصح على هذا أخذ
اسم الفاعل من (شاب) في صيغة فاعل، وإن كان المسموع (أشيب) وتصغير
(ليلة) على (لييلة) كما قال المتنبي (لييلتنا المنوطة بالتغادي) .
وإن كان الوارد في تصغيرها (لييلية) ويستفاد من عبارة صاحب التاج أن هذه
الطريقة - أعني طريقة الفراء - تجري في مصادر ما فوق الثلاثة أيضا حيث قال
عند قول صاحب القاموس (التبيان - ويفتح - مصدر شاذ والفتح غير معروف
إلا على رأي من يجيز القياس مع السماع وهو مرجوح.
***
القياس في الاشتقاق
لا يجب على الناظر في المشتقات من اسم فاعل ومفعول وأفعل تفضيل واسم
مكان وزمان وآلة عندما يريد إنشاء قواعدها - أن يستقر في جميع آحادها فإنه يتعذر
عليه الوصول إلى هذه الغاية نظرا إلى سعة اللغة وانتشارها إلى ما لا يمكن
الإحاطة به، وإنما يتتبع من جزئياتها إلى أن يأتي على مقدار يفيد ظنا قويا وثقة
بأن اللغة جارية في مثله على اعتباره قاعدة، والذي لا يبلغه استقراؤه يكون قاصدا
لإجرائه في الكلام على ما يطابق هذه القاعدة، فيصح لنا أن نعمل على شاكلتها في
كل لفظ يتفق دون أن تتوقف على سماع.
وها هنا إشكال لا يزال يتردد على ألسنة طلاب العربية، وهو أن واضع
القاعدة إذا لم يلزمه استقراء جميع جزئياتها ويكفيه أن ينقص جملة منها، فما باله
يصرح في بعض الأفعال والمصادر، مثل (ويح وويل ونعم وبئس وعسى وليس
ويذر) بأنها لا تتصرف ولا يصح أن يشتق منها اسم فاعل أو اسم مفعول أو أفعل
تفضيل؟ وأي فرق بينها وبين ما لم يبلغه استقراؤه من المصادر والأفعال فيسوغ
لنا أن نأخذ منها أوصافا ولا يجوز لنا أن نأخذ مثل ذلك من (ويل ونعم) وما