المخاطب؛ إذ الذي يطلق الملة على نفس الرغيف ويظهر لك من قرينة حاله أو
صريح مقاله أنه أطلقها عن اعتقاد أنها موضوعة له بوضع حقيقي - لا يخلص من
سهام التخطئة ولو احتملت عبارته وجوها في التأويل متعددة.
وحكم ابن قتيبة على قول العامة (تجوع الحرة ولا تأكل ثدييها) بأنه خطأ،
والصواب: بثدييها، فقال ابن السيد: أما ما يذهب إليه العامة من أن المعنى لا
تأكل لحم ثدييها، فهو خطأ، ولكن يجوز على التأويل بحذف المضاف، أي أجر أو
ثمن ثدييها، أو على المبالغة بجعل أكلها لأجر ثدييها بمكان أكل الثديين أنفسهما،
والتفصيل الذي سبق من النظر في مثل هذا إلى حال المتكلم يجري هنا لولا أن
العبارة مثل، فمن قصد بها ضرب المثل على ما ورد فقد أخطأ من جهة تحريف
المثل وإن كان التركيب نفسه صحيحا.
***
وجه اختلافهم في القياس
من الجلي أن العرب لم يصرحوا بعمل القياس في شيء من أوضاع كلامهم
وإنما علماء اللسان يتتبعون موارده ويتعرفون أحواله، فإذا وقعوا على حال في
مفردات الألفاظ أو مركباتها قد عمل العرب بها على وجه منضبط ركبوا منها قاعدة
ليقاس على تلك الموضوعات المسموعة ما لم ينقل من نظائرها.
فمن أسباب اختلافهم في القياس أن يتوفر لدى العالم من استقراء الآحاد ما
يكفي لتركيب القاعدة فيجيز القياس، ولا يبلغ الآخر بتتبعه مقدار ما يؤخذ منه حكم
كلي فيمنع أن يكون مقيسا.
وقد يتساوى الفريقان فيما عرفوه من الشواهد ويكتفي به أحدهما في فتح باب
القياس عليه، ويستقله الآخر فلا يتخطى به موضع السماع، وهذا كاختلافهم في
فعل المعتل العين، فيظهر من كلام سيبويه أن جمعه على (أفعال) مطرد، وذهب
ابن مالك في التسهيل إلى أنه غير مقيس، ويرجع خلافهما إلى أن ما ورد من نحو
مال وأموال وخال وأخوال وحال وأحوال وناب وأنياب وباب وأبواب، هل بلغ مقدارا
يكفي لأن يجعله مطردا أم لا؟ ومن هذا القبيل اختلافهم في جمع الجمع، فقد ورد منه
نحو العشرين كلمة، وسبب اختلافهم في جعله مقيسا إنما هو تفاوت أنظارهم في أن ما
سمع، هل هو من الكثرة بحيث يقاس عليه أو أنه لا ينهض به حتى يجعله مطردا؟
وقد يختلفون في القياس نظرا إلى ما يقف لهم من الأحوال التي تعارض
السماع، فالكوفيون الذين يكتفون في بعض الأقيسة بالشاهد الواحد قالوا: إن صيغة
المبالغة (فعال ومفعال وفعول) لا تعمل عمل اسم الفاعل، وأخذوا يؤولون الشواهد
التي سردها البصريون واعتذروا عن عدم قبولها والأخذ بظاهرها بأن اسم الفاعل
إنما عمل لشبهه بالفعل المضارع في وزنه، والصيغ المذكورة لم تحرز الوزن الذي
قرب اسم الفاعل من أصله الذي هو المضارع، وألحقها البصريون بمنزلة اسم
الفاعل حسب ما شهدت به الرواية وهدموا ما اعتذر به الكوفيون إذ قالوا في جوابهم:
إن المبالغة التي قوي بها المعنى في تلك الأبنية جبرت ما نقصها من الشبه في
اللفظ، فنقابل مشابهة اسم الفاعل للمضارع في اللفظ بزيادة المعنى الذي اختصت
به أبنية المبالغة فتحصل الموازنة والتساوي في طلب العمل من غير تفاوت.
***
تعارض السماع والقياس
إذا تتبعنا جملة من أقوال العرب حتى قامت لنا من استقرائها قاعدة، ثم وقعت
إلينا أمثلة نطقوا فيها على خلاف ما تقتضيه هذه القاعدة، فهل نأخذ في هذه الأمثلة
بالقياس أو نقف فيها عند حد السماع؟
هذا النوع تعددت صوره وتشعبت مقالات العلماء في حكمه وسنلقي عليك ما
نراه صفوة آرائهم وخلاصة بحثهم.
للأمثلة الواردة على خلاف ما تقرر في الأصول أربعة أقسام (أحدها) :
كلمة أو كلمات قليلة تدور في مخاطباتهم كثيرا ولم ينطقوا فيها على وفق القاعدة ولو
مرة، مثل (استحوذ واستصوب) اللذان وردا على خلاف القاعدة القاضية بقلب
واوهما ألفا نحو استقام واستعاذ، وهذا القسم يجب استعماله على ما سمع من العرب
ولا تنقض به القاعدة ولا يقاس عليه غيره.