قال ابن جني في الخصائص: اللغات على اختلافها كلها حجة والناطق على قياس
لغة من لغات العرب مصيب غير مخطئ، وقال أبو حيان في شرح التسهيل: كل
ما كان لغة لقبيلة صح القياس عليه، وقال البطليوسي في شرح الفصيح: المشهور
في كلام العرب: ماء ملح، ولكن قول العامة: مالح، لا يعد خطأ وإنما هو لغة
قليلة. ومن اعتمادهم على هذا الأصل كان الصحيح عندهم جواز القياس في تقديم
عامل (كم) الخبرية عليها؛ لأنه لغة حكاها الأخفش عن بعض العرب.
ويعتمد في تقرير الأحكام اللفظية على أقوال الجاهلية كامرئ القيس وزهير،
والمخضرمين كحسان ولبيد، والإسلاميين كالفرزدق وجرير وذي الرمة، أما
المحدثون ويدخل في زمرتهم بشار بن برد وأبو نواس وأبو تمام فلا يعول في
الاستشهاد على أوضاع الكلم وأحوالها التركيبية على شيء من منشآتهم أو
منظوماتهم، ولهذا ترى النحوي يسومهم سوء التخطئة والتلحين حيث وقعوا فيما
يخالف القواعد المسلمة وإذا كان الحكم الذي لم تطابقه عبارتهم من مواقع الخلاف
أقام لهم العذر بأنهم قد بنوا كلامهم على المذهب الضعيف، ثم إذا عثر على
صنيعهم الصادر من الجاهليين أو الإسلاميين لا يسعه إلا أن يقضي فيه بالشذوذ أو
يقتحم في تصحيحه طريقة التأويل.
وقال الزمخشري في كشافه بعد أن استشهد بشعر لأبي تمام: وهو إن كان
محدثا لا يستشهد بشعره في اللغة، فهو من علماء العربية، فاجعل ما يقوله بمنزلة ما
يرويه. وتلقى هذه المقالة الشهاب بسماع المقلد فقال في شرح الدرة: اجعل ما
يقوله المتنبي بمنزلة ما يرويه. وقد كشفنا فيما كتبناه في حياة اللغة العربية عن
وجه الخطأ في هذه المقالة، وكيف يحتج بأقوال هؤلاء وقد عثروا في أغلاط كثيرة
لا يستطيع أحد السبيل إلى تخريجها على محمل صحيح، فهذا أبو نواس يقول:
وإذا نزعت عن الغواية فليكن ... لله ذاك النزع لا للناس
والصواب في مصدر نزع عن الشيء: إنما هو النزوع
وهذا أبو تمام يقول:
لعذلته في دمنتين تقادما ... ممحوتين لزينب وسعاد
والصواب: تقادمتا
وهذا المتنبي يقول:
فإن يك بعض الناس سيفا لدولة ... ففي الناس بوقات لها وطبول
والصواب في جمع بوق: بوق - كصرد - أو أبواق.
ومن لا يعتمد في تقرير أحكام اللفظي على استعمال المحدثين يرى أن استناد
بعض المتأخرين في تصحيح بعض الكلم إلى استعمال أحد أهل العلم غير سديد،
يرد بعضهم على صاحب القاموس في قوله: (الأنموذج لحن) بأن الزمخشري
سمى كتابا له بالأنموذج، والنووي عبر به في المنهاج عند قوله (أنموذج المتماثل)
وهو رد غير مبني على أصول العربية؛ إذ لا حجة إلا في كلام من ينطق بالعربية
عن سليقة، وهذا الشرط لا يتحقق في أبناء المائة الخامسة كالزمخشري أو المائة
السابعة كالإمام النووي رضي الله عنه، وكم من إمام في العربية ينطق أو يؤلف
بعبارة تخالف مذهبه الصريح، أفلم يشترط ابن هشام في كتاب (المغني) لدخول هاء
التنبيه على الضمير كون خبره اسم إشارة؟ ولم يحتفظ بهذا الشرط، فقال في خطبة
الكتاب نفسه (وها أنا بائح) ووقع صاحب القاموس في هذه الهفوة بعينها فشرط
لاتصال حرف التنبيه بالضمير ما شرطه ابن هشام من الإخبار عنه باسم إشارة ولم
يقم على ما شرط فقال في خطبة كتاب القاموس (وها أنا أقول) .
ويؤكد لك عدم صحة الاحتجاج بما يستعمله علماء العربية أن صاحب
القاموس صرح بأن كلمة (بعض) لا تدخلها اللام وهو يعلم كما نقل عقب هذا الحكم
أن سيبويه والأخفش قد استعملاها في كتابهما.
ونحتج بالكتاب الحكيم ونعمل بالقياس على ظواهره ما طابقت مقتضى البلاغة
ولا نتبع سبيل الذين يحيدون به إلى جانب التأويل انتصارا لما سبق إلى ظنونهم
وتقرر في مذاهبهم من أحكام فقهية أو عربية. قال الفخر الرازي في تفسيره: إذا
جوزنا إثبات اللغة بشعر مجهول فجواز إثباتها بالقرآن العظيم أولى، وكثيرا ما