تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لبعض المعاني ألفاظا عينها كالسماء والمطر والنبات، ولوح إلى البقية بمقياس

تصاغ الكلم في قوالبها فتدخل في زمرة ما هو عربي فصيح.

ولولا هذه المقاييس لكانت اللغة أضيق على المتكلم بها من مفحص قطاة، فيقع

في نقيصة العي والفهاهة، ويكثر من الإشارات التي تخرج به عن حسن السمت

والرصانة، ويرتكب التشابيه محاولا بها تقريب المرام من فهم المخاطب لا كما

يستعملها اليوم حلية للمنطق ومظهرا من مظاهر البلاغة.

ولو فرضنا صحة أن يوضع لكل معنى لفظ يختص به كأن نجنح إلى أن

منشئ اللغة هو مبدع الخليقة لكان الحرج الذي تقع فيه اللغة أن تضيق المجلدات

الضخمة عن تدوينها، وتعجز النفوس الناطقة عن حفظ ما فيه كفايتها.

فالقياس طريق يقرب به تناول اللغة ووسيلة تمكن الإنسان من النطق بآلاف

من الكلم والتراكيب دون أن يقرن سمعه أو يحتاج في معرفتها إلى مطالعة القاموس

أو اللسان.

وربما يلوح لك أن الألفاظ المرادفة تغني عن القياس في الكلم المفردة لو

صرفها الواضع إلى المعاني التي لم يعين لها أسماء. فنقول: إن للمترادفات مجالا

فسيحا وأثرا بليغا في الفصاحة والبلاغة، فلا يصح أن تكون العربية عارية منها،

ثم إنها على كثرتها لا تبلغ أن تسد مسد القياس في مثل المصادر والأفعال

والأوصاف المشتقة وجموع التكسير، فضلا عن كون الكثير من هذه المترادفات

إنما نشأت من لغات متعددة.

***

ما القياس؟

يسند القياس أحيانا إلى العرب أنفسهم فيكون من قبيل التنبيه على علة الحكم

الثابت عنهم بالنقل الصحيح، كما قال النحاة: أعرب الفعل المضارع قياسا على

الاسم، وعمل اسم الفاعل قياسا على الفعل، ودخلت الفاء خبر الموصول في مثل

قولهم: (من يأتيني فله درهم) قياسا للموصول على الشرط.

ويضاف تارة إلى الباحثين عن أحوال اللفظ العربي، فيراد منه أحد معان

ثلاثة:

(أحدها) : أن تعمد إلى اسم ورد استعماله في معنى يشتمل على وصف

يناسب التسمية كالخمر، فتعديه إلى معنى آخر تحقق فيه ذلك الوصف وتجعله من

مدلولاته كالنبيذ تعده فيما يتناوله اسم الخمر حيث كان يخمر العقل ويستره، وهذا

النوع من القياس هو الذي يعنيه المحققون من الأصوليين بقولهم: لا تثبت اللغة

بالقياس.

(ثانيها) : إلحاق اللفظ بأمثاله في حكم ثبت لها باستقراء كلام العرب حتى

انتظمت منه قاعدة عامة كصيغة التصغير والنسب والجمع ورفع الفاعل وبناء العلم

والنكرة المقصودة في النداء.

(ثالثها) : إعطاء الكلم حكم ما ثبت لغيرها مما هو مخالف لها في نوعها

كما أجاز الجمهور ترخيم المركب المزجي، قياسا على الأسماء المنتهية بتاء التأنيث،

وأجاز ابن مالك حذف العائد المجرور في الصلة إذا تعين حرف الجر؛ قياسا على

حذفه في الجملة الخبرية، والمعنيان الأخيران هما موقع النظر ومجال البحث في

هذه المقالات، وآثرت للفرق بينهما التعبير عن الأول بالقياس الأصلي وعن الثاني

بقياس التمثيل.

وللكلم أحوال في نفسها، وأحوال من جهة ما يقترن بها، فيتوجه النظر في

القياس إلى الأحوال العارضة لها من حيث مبانيها المفردة كاشتقاقها ووسعها ثم إلى

الأحوال الجارية عليها من جهة نظم بعضها في سلك بعض، وترجع أحوال النظم

إلى الاتصال والانفصال والتقديم والتأخير والحذف والذكر والعمل والإعراب والبناء

والاستعمال، فكان المقصد من هذا التحرير يدور على البحث في القياس الأصلي

والقياس التمثيلي ومباحث مشتركة بينهما.

***

المقالة الأولى

في القياس الأصلي

ما يقاس عليه:

يجمع اللسان العربي تحت اسمه لغات شتى، ولكنها تختلف فيما بينها اختلافا

يسيرا مثل اختلافها في بعض أحوال الكلم من حركة وسكون، أو إعراب وبناء، أو

إعمال وإهمال أو ترتيب حروفها أو إبدال بعضها من بعض، أو الزيادة والحذف.

تتفاوت هذه اللغات بالجودة وفصاحة اللهجة، وجميعها مما يصح القياس عليه.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ٢٦٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ٢٦٥