تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نرى النحويين متحيرين في تقرير الألفاظ الواردة في القرآن، فإذا استشهدوا في

تقريره ببيت مجهول فرحوا به، وأنا شديد التعجب منهم فإنهم إذا جعلوا ورود ذلك

البيت المجهول على وفقه دليلا على صحته فلأن يجعلوا ورود القرآن دليلا على

صحته كان أولى. وقال ابن حزم في كتاب (الفصل) : ولا عجب أعجب ممن إن

وجد لامرئ القيس أو لزهير أو لجرير أو الحطيئة أو الطرماح أو لأعرابي أسدي

أو سلمي أو تميمي أو من سائر أبناء العرب لفظا في شعر أو نثر - جعله في اللغة

وقطع به ولم يعترض فيه، ثم إذا وجد لله تعالى خالق اللغات وأهلها كلاما لم يلتفت

إليه ولا جعله حجة وجعل يصرفه عن وجهه ويحرفه عن مواضعه ويتحيل في

إحالته عما أوقعه الله عليه.

ومن أمثلة ما أشار إليه ابن حزم أنه ورد الفصل بين المصدر المضاف

وفاعله المضاف إليه بالمفعول به في قوله تعالى: ﴿قتل أولادهم شركاؤهم﴾ (الأنعام: 137) كما قرأ ابن عامر بنصب (أولادهم) وخفض (شركائهم) فقضى

عليها الزمخشري بالخطأ وقال: الذي حمل ابن عامر على ذلك أنه رأى في

بعض المصاحف (شركائهم) مكتوبا بالياء. وذهب السكاكي في مفتاحه إلى تلقي

القراءة بالتسليم وفاقا لمن يقول: إن القراءات السبع متواترة، ولكنه تأول الآية على

تقدير مضاف إليه يتصل بقوله (قتل) ومضاف عند قوله (شركائهم) والمقدر

في الموضعين من نوع المنطوق به فيكون سبك الآية بعد التصريح بالمقدرة (قتل

شركائهم أولادهم قتل شركائهم) ثم قال: وهذا وإن كان فيه نوع من البعد فتخطئة

الثقات والفصحاء أبعد.

والذي نعتمده في مثل هذا أن نتلقى القراءة المتواترة بالقبول، ولا نحمل الآية

ما لا تطيقه بلاغتها من أعباء هذه التقادير وتعسفها كما صنع السكاكي، بل نبقيها

على ظاهرها ولا نسلم أن الفصل في مثل هذا مخالف للفصاحة، ولا سيما بعد أن

أورد له ابن جني في (الخصائص) شواهد متعددة.

ولا أخال أحدا يعول في مثل هذا على ذوقه فيقول إن الذوق ينفر من صورة

المعنى الذي يفصل فيه بين المضاف والمضاف إليه بأحد معمولات المضاف، فإن

مثل هذا لا يرجع فيه إلى ملاءمة الطبع، بل مداره على ما يجري به الاستعمال

ويثبت في الرواية، فما نجده واردا في الكلام الفصيح نعلم أنه لا يكدر من مشرب

الفصاحة العربية ولا يثلم من سور البلاغة فتيلا.

ومما يقرب لك أن حكم الفصل بين الكلم لا يرجع فيه إلى الذوق وأنه عائد

إلى ما يسمع من كلام المشهود له بالفصاحة في تلك اللغة - أن اللغات تختلف فيه

اختلافا كثيرا، ففي اللسان الألماني مثلا يفصلون بين أداة التعريف والمعرف بجمل

كثيرة، وربما كان الفعل مركبا من قطعتين فيضعون القطعة الأولى في صدر الكلام

ويلقون الأخرى في نهايته، فيتفق أن يكون بين القطعتين كلمات فوق العشرة،

وتراهم يفصلون بين علامة الاستقبال والفعل بجمل متعددة، ولا شبهة أن ارتباط

أداة التعريف بالمعرف أو بعض أجزاء الكلمة ببعض أو علامة الاستقبال بأصل

الفعل أشد من ارتباط المضاف بالمضاف إليه، فلا حرج على اللغة أن تبيح الفصل

بين المضاف والمضاف إليه، ولا سيما حيث تكون علاقة الفاصل بالاسم المضاف

ليست من علاقة المضاف إليه ببعيدة كالمفعول به.

وأما الحديث النبوي فقد جرى الجمهور على عدم الاحتجاج به لكثرة ما وقع

فيه من الرواية بالمعنى واعتد به ابن مالك وأخذ بالقياس عليه في أحكام شتى معتمدا

على أن روايته باللفظ هي الأصل، فنعمل بموجبها إلى أن يثبت أنه نقل بالمعنى،

ومن أمثلة ما احتج عليه ابن مالك بالحديث أنه ورد في أبيات متعددة فعل الشرط

مضارعا والجزاء ماضيا فأجاز الفراء وابن مالك العمل على هذا الأسلوب، ومنعه

الأكثر بدعوى أن ما وقع في تلك الشواهد من قبيل ما دفعت إليه الضرورة،

فاستدل ابن مالك على جوازه في حال السعة بما روى الإمام البخاري من قوله عليه

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ٢٦٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ٢٦٧