تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

المتفرنجون والإصلاح الإسلامي

(3)

الإسلام وأصول الشريعة

قد علم - مما تقدم في المقالتين الأوليين - أن من المتفرنجين من يدعو

المسلمين إلى هدم أصول الشريعة الإسلامية كلها، والاستعاضة عنها بقوانين

يضعها حكام كل قطر مستقل بآرائهم، وإن استمدوا أصوله وفروعه من قوانين أمم

أخرى مخالفة للمسلمين في عقائدهم وآدابهم وعاداتهم ومصالحهم، وأن من هؤلاء

المتفرنجين من يلبس على المسلمين بما يدعوهم إليه من إفساد دينهم وهدم شرعهم

الذي هو أعظم مقومات أمتهم الرابطة بين شعوبهم بما يلبس دعوته من ثوب

الإصلاح، وإن أغرب أحوالهم المتناقضة أن بعضهم يتكلم باسم الإسلام، ويدعي

إمكان الجمع بينه وبين نبذ أصوله كلها استهجانا لها؛ بزعم أنها وضعت لقوم لم

يرتقوا إلى الكمال الإنساني الذي ارتقى إليه هؤلاء المتفرنجون، ومن أهم أصوله

إباحة السفاح بالبغاء، أو اتخاذ الأخدان لكل عذراء تجاوزت السنة الرابعة عشرة،

أي صارت بنيتها مستعدة لهذا التمتع المفسد للصحة، الجالب للأدواء القاتلة،

المقلل لنسل الأمة، المشوه لآدابها، الموقع للعداوة والبغضاء بين أفرادها وبين

أسرها.

جهر بهذا صاحب الخطبة أو الرسالة التي نرد عليها في هذه المقالات بما تقدم

بيانه في المقالة الثانية مع الوعد بالرد عليه، وإننا نبدأ الرد في كلمة وجيزة في

بيان ما يناسب المقام من تعريف ما يكون به المسلم مسلما؛ ليعلم هل يمكن الجمع

بين الإسلام وبين ما جاء به، ودعا إليه أحمد صفوت أفندي من حيث هو مسلم،

وإن كنا قد بينا هذا في المنار من عهد قريب؛ لئلا يقع بعض الجاهلين فيما يعده

جميع المسلمين كفرا، وهو لا يدري، فنقول:

الإسلام والكفر:

إن الإسلام الصحيح عبارة عن الإذعان النفسي والخضوع الفعلي لجميع ما

جاء به محمد خاتم النبيين والمرسلين صلى الله عليه وسلم عن الله تعالى، مع

الاعتقاد الجازم بأن كل ذلك حق وخير، وأن كل ما يخالفه باطل وشر، سواء كان

ذلك الجزم بدليل قطعي أو إقناعي أو بغير دليل كما هو رأي الجمهور في صحة

إيمان المقلدين. فمن أذعن بالفعل ظاهرا - وهو غير مؤمن بما ذكر - فهو منافق،

ومن اعتقد وأيقن ولم يذعن فهو جاحد مجاهر، كما قال تعالى - في قوم فرعون -:

﴿وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين﴾ (النمل: 14) .

وإن الإذعان والخضوع لبعض ما جاء به الرسول دون بعض - كفر كالإيمان

ببعضه دون بعض، قال تعالى - فيمن خالفوا بعض أحكام كتابهم الدنيوية -:

{أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في

الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون} (البقرة: 85) ؛ ولذلك أجمع أهل الحل والعقد من الصحابة بعد التشاور على قتال

مانعي الزكاة وعدوهم مرتدين عن الإسلام. وليس منه مخالفة بعض الأوامر

والنواهي بجهل أو تأول أو جهالة، كغلبة غضب أو شهوة مع الإذعان النفسي في

عامة الأحوال، والعمل فيما سوى هذه الشواذ، فإن الجاهل يرجع إذا زال جهله

بالعلم الصحيح، والفاسق يتوب إذا زالت جهالته بذكر الله وتذكر الوعد والوعيد

﴿إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب﴾ (النساء:

17) .

فهذا هو الإسلام الذي لا يعتد المسلمين بدين من خالفه، ولا يعدونه منهم، فلا

يرثونه، ولا يرثهم، ولا يحل لهم أن يزوجوه مسلمة منهم، ولا أن يدفنوه في

مقابرهم. ثم إن ما جاء به الرسول قسمان: قطعي الرواية والدلالة وغير قطعي،

وقد بينا حكم كل منهما في تفسير الجزء الماضي من المنار. ومن القطعي المعلوم

من الدين بالضرورة أن محمدا صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين، ويلزمه أن شرع

الإسلام باق ما بقي البشر، لا ينسخه شيء، وقد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم

من كان في عصره من المسلمين أن يبلغوا من بعدهم، ولم يفرق أحد من سلف

المسلمين وخلفهم بين من بلغتهم دعوته صلى الله عليه وسلم منه في عصره ومن

بلغته من غيره بعده. فمن يدعي الإسلام ويزعم أن ما جاء به الرسول من أحكام

الشرع لم يكلف اتباعه فيه كله إلا الذين كانوا في زمنه؛ لأنه كان حاكمهم، وأن

من بعدهم لا يكلفون إلا اتباع ما تشرعه لهم حكامهم، سواء كانوا منهم أو من

غيرهم، وأنه لا فرق بين هؤلاء الحكام وبين الرسول في كونهم شارعين يجب

اتباع أحكام شرعهم في الأمور الشخصية والمدنية والتأديبية على سواء، وينسخ

المتأخر منهم ما شرعه من قبله، من يدعي ما ذكر - فقد جاء بدين جديد معارض

لدين الإسلام مع انتحاله لاسمه، ولا يعتد أحد بإسلامه إلا من استجاب له وقبل

دعوته، كما فعلت فرق الباطنية قديما وحديثا، فإنهم حرفوا أصول الإسلام وفروعه،

وشرعوا من الدين ما لم يأذن به الله، فلم يعتد المسلمون بانتحالهم لقب الإسلام في

الظاهر، بل سموهم بأسماء أخرى كالإسماعيلية والدروز والنصيرية والبابية

والبهائية، ولم يبح مسلم سني ولا شيعي ولا خارجي أكل ذبائحهم ولا تزويجهم ولا

التزوج منهم؛ لأنهم أبعد عن الإسلام من أهل الكتاب، الذين يبيح السواد الأعظم

من المسلمين أكل ذبائحهم والتزوج منهم، فكيف بالتوارث الذي لا يحل بين

المسلمين وأهل الكتاب؟ !

فيجب على قائل ذلك القول وعلى من صدقه أن يرجعوا عنه؛ إذ قد قالوه عن

جهل بحقيقة الإسلام، وعسى أن يكونوا قد فعلوا، فنحن أحرص الناس على عدم

إخراج أحد ينتمي للإسلام من حظيرته، وإنما نبين الحقيقة عند الحاجة في نفسها،

ولا نحكم على شخص معين بها ولا بلوازمها، وإنما نعين الأشخاص على الحكم

على أنفسهم، وعلى معرفة حكم الله فيمن يعرفون حالهم، سواء كان في مسألة

الشارع والتشريع أو في غيرها.

ومن الأصول المجمع عليها بين المسلمين أن لا حكم لغير الله بعد ورود

شرعه، وسيأتي الكلام في ذلك ومن كان في قلبه شبهة من ذلك القول الناقض لهذا

الأصل فيجب عليه أن يبحث حتى يزيلها، ويطمئن قلبه بوجوب اتباع الرسول

صلى الله عليه وسلم في جميع ما ثبت عنه من أمر الشرع، وسنرد الشبهات التي

ذكرها أحمد أفندي صفوت في بحث الكتاب والسنة.

بعد هذه المقدمة - التي وفينا فيها بوعدنا في آخر المقالة الثانية - نبدأ بنقل

كلام أحمد أفندي صفوت على الترتيب الذي ذكرناه في تلك المقالة، فنقول:

القياس من أصول الشريعة:

القياس ليس من الأصول التي أجمع عليها المسلمون، بل الفقهاء فيه فريقان:

أحدهما يثبته وهم الجمهور، ومنهم المقتصد فيه، والقائل بأنه ضرورة تقدر بقدرها،

ومنهم المقتصد فيه، والمبالغ في التوسع، وثانيهما ينكره وهم الظاهرية. وقد

بينا حجج الفريقين وتحقيق الحق في ذلك في تفسير قوله تعالى: {يا أيها الذين

آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} (المائدة: 101) الآية [1]

والقياسيون لم يقولوا بالقياس إلا بما ظهر لهم من الدليل عليه من الكتاب والسنة.

والظاهرية لم ينفوا القياس إلا لاعتقادهم أن نصوص الكتاب والسنة وقواعدهما

مغنية عنه.

وأما غلاة المتفرنجين فإنهم يردون القياس؛ لأنه مبني على كتاب الله وسنة

رسوله، لا لأنهم يستغنون عنه بنصوصهما كالظاهرية من علماء السنة، بل هم

يرغبون عنهما بالذات، وعنه بالتبع لهما، ويستبدلون بأصولهما وأحكامهما أحكاما

أخرى يقيسون عليها، صرح بذلك أحمد أفندي صفوت في خطابه، كما نقلناه في

المقالة الثانية عن ص 21 من رسالته، قال:

(أما القياس فنصرف النظر عنه؛ لأننا سنقيس بأنفسنا على أحكام الأصول

الأخرى) أي الأصول التي تشرعها لهم حكوماتهم، كأصل الحرية الشخصية في

القانون المصري، وتقدم بيان ذلك والتمثيل له في المقالة الثانية، ولا نطيل القول

في هذه المسألة؛ لأنها غير مقصودة لذاتها؛ ولأن رده القياس الفقهي ليس لدليل

شرعي ولا عقلي على فساده، ولا لكونه ينافي الحق والعدل، وسيأتي له ذكر في

الكلام بعد.

***

الإجماع من أصول الشريعة:

قد اختلف علماء أصول الفقه الإسلامي في الإجماع الاصطلاحي الذي عرفوه

بقولهم: (هو اتفاق مجتهدي أمة محمد صلى الله عليه وسلم بعد وفاته على أمر من

الأمور) ، فقال بعضهم بعدم إمكانه، وبعضهم بعدم إمكان العلم به وبعضهم بعدم

إمكان نقله إلى من يحتج به وبعضهم بعدم كونه حجة، والإمام أحمد والظاهرية لا

يحتجون إلا بإجماع الصحابة، ويستدل العلماء - الذين يحتجون بالإجماع

الاصطلاحي، وهم جمهور سائر المذاهب - بآيات من القرآن وأحاديث فهموا منها

إثبات حجية الإجماع، أدناها مرتبة في الرواية حديث ابن عمر: (لن تجتمع أمتي

على الضلالة) ، كما رواه الطبراني في الكبير عنه، أو (لا تجتمع أمتي على

ضلالة، ويد الله على الجماعة، ومن شذ شذ إلى النار) كما رواه الترمذي عنه،

وقد نوزعوا في دلالة ما استدلوا به على إجماعهم الاصطلاحي، وقد حررنا بحث

الإجماع، وما يقوم الدليل عليه منه في تفسير قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا

أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ... } (النساء: 59) ، وبينا

هنالك أن أصول الشريعة الإسلامية أصح وأعدل وأفضل من جميع الحكومات

الشوروية التي يسمونها في عرف هذا العصر بالنيابية وبالديمقراطية [2] .

وأما غلاة المتفرنجين فيردون إجماع المسلمين من الصحابة وغيرهم بغير علم ولا

فهم؛ لأنهم يرغبون عن كل ما هو إسلامي قديما أو حديثا إلى قواعد تشريعهم

الجديد، الذي نذكر بعض مسائله في الأحكام الشخصية من هذا البحث لا لمخالفة

الإجماع للعدل أو للمصلحة؛ فشأنهم فيه شأنهم في القياس كما تقدم آنفا.

قال لسانهم أحمد أفندي صفوت في خطابه المعهود: وأما الإجماع وحجتهم فيه

حديث: (لا تجتمع أمتي على ضلال) [3]- فنقسمه إلى قسمين: إما إجماع

العلماء أو حكم ولي الأمر السابق، وبحسب قواعد نظامنا القضائي لا نتقيد برأي

مهما أجمع عليه الشراح، إلى أن نوافق على إجماعهم! . اه، فجعل حكم ولي

الأمر السابق داخلا في معنى الإجماع، وما هو منه في شيء، وفسر إجماع العلماء

بما يتفق عليه شراح كتب الفقه من الآراء - كما هو المتبادر من عبارته - وهذا

الإطلاق باطل، كما علم من تعريف الإجماع الذي ذكرناه آنفا.

ثم إنه زعم أن المتأخرين هم الذين جعلوا الإجماع حجة رضاء منهم بحكم

السابقين! (قال) : (ونحن نرفض حكم المتأخرين والسابقين) فهو بعد قوله: إن

علماء المسلمين يستدلون على حجية الإجماع بالحديث الذي ذكره، ولم ينازع في

دلالته على ذلك - يرفضه بصفته مسلما، ويدعي أن المتأخرين وحدهم هم الذين

جعلوه حجة. وذلك دليل على أنه لا يعرف معنى الإجماع ولا تاريخه، وأنه لا يفهم

معنى ما يقوله، وما يكتبه بالعربية، دع ما فيه من الخطأ والغلط اللغوي، فهو إذا لا

يرفض شيئا من أصول الشريعة - دع فروعها التي هي تبع لها في الرفض - لأنه

لا دليل عليه، ولا لأن دليله معارض بما هو أقوى منه، ولا لأنه غير مطابق

لمصلحة المسلمين في هذا العصر، وإن كان هو وأمثاله يزعمون ذلك بغير علم - بل

لأنه يستبدل بما شرع الله وبكل ما يبنى ما يشرعه الناس، وإن اختلف في كل

قطر إسلامي باختلاف أفكار الشارعين أصحاب السلطة والنفوذ فيه، بحيث يكون

للمسلمين عشرات من الشرائع في أحكام الزواج والطلاق وما يتبعهما وفي سائر

الأحكام؛ حتى يخرجوا عن كونهم أمة واحدة كما سماهم الله تعالى. ومن

يرفض أصول الشريعة الإسلامية وجميع أحكام أهلها من المتقدمين والمتأخرين - لما

ذكرنا من العلة - كيف يبالي بتفريق شمل الأمة، وتقطيع جميع الروابط والمقومات

التي كانت بها أمة؟ ! ومن كان مكانه من الإسلام والعلم بمصالح أهله ما ذكرنا فهل

يستبعد منه أن يعد هذا الفساد إصلاحا وطنيا، كما نسمع من هؤلاء المتفرنجين

كثيرا، ونرى مثله فيما يكتبون أحيانا؟ !

قلنا: إن فريق الغلاة من هؤلاء المتفرنجين يرفضون الإجماع وهو اتفاق

علماء الشرع المستقلين من المسلمين؛ لأنه إجماع المسلمين، وما ذاك إلا أنهم

مرقوا من دينهم ولا يحبون أن يبقى لهم به صلة ما، بل يحاولون إفساد عقيدة كل

من استطاعوا فتنته من أهل هذا الدين، كما يفعل أمثالهم من دعاة الأديان أو دعاة

الإلحاد.

قلنا: إنهم يرفضون القياس الإسلامي أيضا؛ لأنه يستند على نصوص الكتاب

والسنة التي لا يدينون بهما، ولكنهم يجيزون القياس على ما يستحسنون من

نصوص القوانين الوضعية. كما أنهم يستحسنون العمل بما يتفق عليه علماء هذه

القوانين من أي ملة كانوا، ومن قبل رأي الأفراد من قوم فهو أجدر بقبول رأي

الجماهير منهم.

وقلنا: إنهم لا يرفضون ذلك بدليل عقلي ولا شرعي، فيكون موضوع المناقشة

بيننا وبينهم كما وقع بين سلفنا كالظاهرية والقياسية ونفاة الإجماع الأصولي على

إطلاقه ومثبتيه وكما وقع الآن بين المستقلين في الفهم منا.

وأما غير الغلاء المرتدين من المتفرنجين فيوجد فيهم من يجد في صدره

حرجا من الفقه الإسلامي؛ إذ يرى كثيرا من فروعه غير معقولة أو غير عادلة،

ويرى أن قائليها لا حجة لهم عليها، غير أقيسة لهم يعتقد أنهم آراء لهم أو مفهومات

لعبارات كتب مذهبهم، لا يظهر لها أصل من نصوص الكتاب والسنة، أو دعوى

إجماع لم يثبت باتفاق المحدثين والمؤرخين على نقله، ولا حجة على جعله كالنص

الذي لا سبيل إلى نقضه.

ويوجد فيهم من قد ينكر كون القياس حجة، أو من ينكر كثيرا مما ذكروا له

مسالك العلة، ومن ينكر حجية الإجماع أو إمكانه أو إمكان العلم به، وأكثر منهم

من ينكر كونه حجة دائمة باقية كالكتاب والسنة، وكون آراء الفقهاء الاجتهادية

شرعا ثابتا يجب العمل به، وإن ظهر لنا من النصوص خلافه، أو ثبت بالتجربة

ضرره في مصالح الأمة الشخصية أو المنزلية، أو شئونها الاجتماعية والسياسية.

ويوجد فيهم - وفي غيرهم من مستقلي الفكر - من يظنون بادي الرأي أن

أكثر أحكام الفقه القضائية والسياسية آراء للمجتهدين، إن كانت كلها أو جلها موافقة

للمصلحة في الزمن الذي وضعت فيه، فقد صارت غير موافقة لمصلحة المسلمين

أنفسهم في هذا الزمن.

وفي كل فريق ممن ذكرنا مقتصد في نقده لهذا الفقه ومسرف، ومستدل ومقلد،

ومن المستدلين الواسع الاطلاع، والحافظ لقليل مما ينتقد من الأحكام، ومنها

بعض الأحكام الشخصية التي ألفت اللجنة المعهودة لأجلها. ومن يراجع مجلد المنار

الرابع يرى فيه مناظرة في نقد الفقه الإسلامي بين كاتبين من أشهر الكتاب

المعتدلين.

وقد مر على أول بحث حضرته بمصر في هذه المسألة زهاء عشرين سنة،

وكان في دار سعد زغلول باشا ولم أنس كلمة قالها ثم قاسم بك أمين لمن ذكر في

الأمثلة المنتقدة مسألة الربا وهي: (إن تحريم الربا المنصوص في القرآن وكل ما

نص في القرآن يجب أن يؤخذ بالتسليم من غير بحث، وإنما نبحث في أقوال

الفقهاء) . اه. وبعد هذا بسنة أو سنتين زرت الأستاذ الإمام في يوم عيد،

فألفيته في مكتبه داخل الدار مع أحمد فتحي زغلول باشا محتجبا عن جماهير

المهنئين الذين يجلسون في حجرة الاستقبال، ريثما يشربون القهوة، وينصرفون،

فلما جلست إليهما وجدتهما يبحثان في مسألة الإجماع، ورأيت الأستاذ يوافق جليسه

في بعض ما ينكره من مباحث هذه المسألة، فقلت لهما: إني أفهم في الإجماع معنى

آخر غير المشهور في كتب الأصول، وهو اتفاق أهل الحل والعقد كلهم أو أكثرهم

مجتمعين على ما لا نص عليه من الأمور المتعلقة بمصالح الأمة القضائية أو

السياسية، سواء كان في استنباط الأحكام لها أو في تنفيذها، وأرى أن ذلك ينطبق

على أدلة الإجماع، ويوافق عمل السلف كجمع الخلفاء الراشدين أهل العلم والرأي

للتشاور فيما لم يرد فيه نص من الكتاب، ولم تجر به سنة نبوبة، وفي مبايعة

الخلفاء، فقال الأستاذ: إن هذا المعنى صحيح، لا إشكال فيه، ولا اعتراض عليه،

واستحسنه أحمد فتحي غاية الاستحسان. وقد بينت هذا المعنى بعد ذلك بما كتبته

في المقالة الثالثة عشرة، وهي المقالة الأخيرة من مقالات (محاورات المصلح

والمقلد) في بحث الوحدة الإسلامية في السياسة والقضاء المنشورة في مجلد المنار

الرابع، وقد اطلع عليه الأستاذ الإمام يومئذ، فأعجبه، ثم زدته بيانا في تفسير

﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ (النساء: 59) المنشور في

أواخر المجلد الثالث عشر وأوائل المجلد الرابع عشر من المنار، بعد أن نقلت من

الأستاذ الإمام قوله: إنه اهتدى إليه بعد البحث في المسألة والتفكر فيها عدة سنين،

وإنه كان يظن لم يسبق إليه حتى رأى النيسابوري صرح به في تفسيره، وقد

ذكرت هنالك أن النيسابوري أخذه عن الرازي وزاده بيانا، ثم أيدت قولهما،

ووضحته بكلام السعد التفتازاني في مسألة انعقاد المبايعة بالإمامة وقد حققت في

المسألة أن الإجماع في الإسلام في معنى مجالس نواب الأمة في القوانين الإفرنجية،

إلا أنه أكمل منها. والقياس - وهو ركن الاجتهاد للأفراد - معهود عندهم أيضا،

يجري عليه القضاء ووكلاء الدعاوي وشراح القوانين، فالقوم قد اقتبسوا من أصول

الفقه الإسلامي وفروعه ما ارتقت به قوانينهم، ونحن أهملنا وقصرنا، ورضينا

بالجهل الذي هو التقليد، حتى صار أهل شرعنا ينفرون ويفرون منه ويقلدون

الإفرنج أو يجتهدون في قوانينهم، ولو لم يحرمهم علماء السوء الجامدون وأمراء

الجهل الظالمون من الاجتهاد في شرعهم لما فروا إلى شرائع الأجانب وقوانينهم.

ألا أنه لا علاج لردة بعض المرتدين، ولابتداع كثير من المبتدعين ولا لضعف

سائر المتفرنجين - الذين لا يزالون مؤمنين - إلا سلوك سبيل الاستقلال في فهم

الشرع، وبيان مكانته من المساواة والعدل، وموافقته لمصالح الناس، من جميع

الأجناس وشرح معنى قولنا: إنه أعظم مقومات هذه الأمة، تبقى ببقائه، وتزول

بزواله، وتفصيل ما يتبع ذلك من مقاصد الذين ربوا هؤلاء المتفرنجين على

كراهته، وهم لا يشعرون بعلة ذلك ولا بعاقبته، فإذا ظل صنف الفقهاء والمتكلمين

منا على جمودهم، وإيجاب تقليد ما اختاره المقلدون المتأخرون الذين يعالجون

مصنفاتهم - فسيغلبهم هؤلاء المتفرنجون وأعوانهم على هدم ما بقي من شرعهم

ودينهم، بل يجعلونهم أعوانا لهم على هذا الهدم، على جهل بذلك أو على علم،

وها نحن أولاء نرى مبدأ تشريع جديد، ووضع طريف يلبس بتليد، يصيح بجانبيه

مثل هذا الصوت الشديد، الذي أوجب هذا الرد العتيد وقد رأينا من أصحاب العمائم

من نصر ذلك القصد الخفي، ولم نر منهم من أنكر هذا الصوت الجلي، فأين

الغيرة على الدين؟ !

إنا لنراها تظهر على أشدها في تضليل من يدعو إلى هداية الكتاب والسنة،

ولم نر لها أثرا في تخطئة من يدعو إلى ترك كل من الكتاب والسنة، فإن كان ذنب

الأول أنه يؤثر الاجتهاد على التقليد فالثاني يهدم كلا من الاجتهاد والتقليد! ، وزال

اعتذار الجامدين على التقليد بأن كلمة الدهماء مجتمعة عليه، فصار سببا للتفرق في

الدين والارتداد عنه.

وإذا كان الإجماع (وهو ما يقرر باجتهاد جماعة أهل الحل والعقد) -

والقياس (وهو ما يستنبطه بالاجتهاد أفراد أهل العلم) هما أرقى ما اقتبسه منا

الإفرنج، وسبقنا إليهما ثابت بالنقل والعقل، وظهر أنه لا علة لرد من يرفضهما

من المتفرنجين المارقين، إلا كونهما من هداية الدين، وتقييدهما بنصوص الكتاب

والسنة، وكونهما من آثار أئمة هذه الأمة، فننتقل إلى الكلام معهم في أصلي الكتاب

والسنة؛ لنتبين هل ينبذونهما لذاتهما، أم لعلل يستنكرونها فيهما؟ ، وموعدنا في

ذلك المقالة الرابعة.

((يتبع بمقال تال))

-----------------

<span class="footnote">

(1) يراجع في المجلد 18 من المنار، وفي ج7 من التفسير وهو بحث يستغرق 75 صفحة.

(2) يراجع ذلك في مجلدي المنار 13 و14، وفي الجزء الخامس من التفسير.

(3) صوابه: ضلالة، كما تقدم آنفا.</span></span>

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٠ · الصفحة ٤٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٠ · ص ٤٢٩