تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الدولتين أساسها مبادلة المنافع كسائر المحالفات الدولية، فإن وفق الوفد لهذا فإن

الأمة تتلقاه بالقبول والثناء وتكرمه بمثل ما كرمت به سعد باشا، بل أعظم،

ويكون ذلك إجماعا صحيحا من الأمة، وإن فرض أن شذ سعد باشا عنها في ذلك

وظل معارضا لعدلي باشا، فإنها تنبذه ظهريا وتحكم عليه بأنه يعمل لنفسه لا لها.

فيا دارها بالخيف إن مزارها ... قريب ولكن دون ذلك أهوال

الاحتمال الثاني: أن ييأس عدلي باشا من الاستقلال التام المبين في الاحتمال

الأول أو ما يقرب منه، فيقطع المفاوضة ويعود بالوفد أدراجه، وعاقبة هذا أن

تعود وحدة الأمة إلى خير مما كانت عليه وتستأنف الجهاد السياسي في سبيل حريتها،

ويتفق سعد وعدلي ورشدي ثانية في ذلك، ويكون الرجاء في النجاح عظيما، فإن

يد الله على الجماعة كما صح في الحديث، ويد الله لا تغلب. وقد رأيت من

المحسنين للظن في هؤلاء الكبراء كلهم من كان يعتقد أن الخلاف بينهم صوري

تواطئوا عليه لأجل المصلحة، ويتوقع كثير من العارفين بأخلاق عدلي باشا

ووطنيته أن يقطع المفاوضة، بل يرجحون ذلك على نجاحه فيها.

الاحتمال الثالث: أن يصح رأي سعد ويعقد الوفد الرسمي الاتفاق الذي يقيد

مصر وينظمها في سلك الإمبراطورية البريطانية باسم من الأسماء المعروفة

والمخترعة، وعاقبة هذا أن تتحول قلوب أكثر الذين كانوا يحسنون الظن بعدلي أو

رشدي عنهما، ويكبر حزب سعد، بل تكون الأمة كلها معه إلا من لا يذكر من

طلاب الوظائف والمنافع من الحكومة، ولكن لا يعلم أحد - إلا الله - ما يترتب

على اصطدام قوة الأمة وقوة الحكومة المؤيدة بقوة الاحتلال إذا حاولت الوزارة تأييد

الاتفاق بالقوة، ولا يظن أحد يعرف قيمة عدلي ورشدي بأنهما يفعلان ذلك، ولكن

قد يفعلانه في حال الاحتمال الرابع المذبذب بين هذا وبين الأول وهو:

الاحتمال الرابع: أن يعقد الاتفاق على اعتراف إنكلترة باستقلال سياسي دولي

تام لمصر في داخليتها وخارجيتها، وحقوق في السودان لا تتبع مصر في الإدارة،

وارتباط بالإمبراطورية بمعاهدة لا يعرض مصر للخطر في سلم ولا حرب، وأعظم

الخطر تعهد مصر بأن تجعل قواها ومواصلاتها تحت تصرف الجيش البريطاني

وهو ما سبق المقطم جميع الجرائد إلى بيانه. ففي مثل هذه الحالة تجد الوزارة من

الأنصار ما تقاوم به السواد الأعظم الذي يقوده سعد باشا، ونسأل الله حسن العاقبة

وإنقاذ هذه البلاد من كل محنة، إنه سميع مجيب.

-----------------

<span class="footnote">

(1) إن نفي إيجاد محل للشك في الاستقلال في الاتفاق لا يقتضي أن يكون اتفاقا على الاستقلال التام المطلوب فإنه نفي بينه وبين استقلال مبهم ثلاث مراتب - الجعل والمحل والشك - فإذا كان الاتفاق على أن تكون مصر كبعض إمارات الهند أو الجزائر التي تسمى مستعمرات مستقلة فإنه يصدق عليه ما ذكر والاسترشاد بما رسمته إدارة الأمة لا يقتضي إتباع إدارتها وعدم تجاوزه.

(2) بيت الأمة لقب وضع لدار سعد باشا زغلول.</span></span>

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ٢٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ٢٤٠