وفي أحوال أخرى بما لم يثن على غيره، ولكن ذنبه عنده أنه كان يراعي الشعور
الإسلامي ويحافظ على كرامة الإسلام.
وقد اعتذرت مجلة المقتطف عن تصريح اللورد في كتابه هذا بمثل هذا
الكلام - ولم تذكره - بأنه كتب كتابه هذا لقومه ولم يخطر بباله عند كتابته أنه
سينشر في مصر وغيرها من بلاد الشرق.
وهذه السياسة قد لقنها المسيطرون البريطانيون للموظفين المصريين بالعمل،
فصار يعرفها كل أحد، وكان من تأثير ذلك ما لا محل لشرحه هنا، وإنما غرضنا
أن نثبت أن المسلمين حقيقة وهم المؤمنون بعقائد الإسلام، المتخلقون بأخلاقه
المحافظون على شعائره وعباداته، الحريصون على مجده وكرامته - لم يبق لهم حظ
كبير من حكومة بلادهم، ولا سيما إذا تربوا في المعاهد الدينية كالأزهر والتزموا
زي علماء المسلمين.
وغرضي من بيان هذه الحقيقة أن أذكر الغافل عنها بأنها أقوى أسباب بعد
علماء الأزهر في عهد الاحتلال عن الاشتغال بالمصالح العامة وسياسة البلاد،
وكان الإنكليز يظنون أنهم أمنوا بهذا منهم القيام بنعرة قومية للمطالبة بحقهم من
الحكم في بلادهم بدلا من الأجانب الذين افتاتوا عليهم فيها، وحلوا محلهم في كل
فروع أعمال حكومة بلادهم ومصالحها، وإن من أكبر أسباب كراهة الإنكليز لسعد
باشا زغلول كونه جاور في الأزهر في حداثته عدة سنين ولكنهم لم يظفروا بطائل
من نبزه بلقب التعصب الديني على حسب عادتهم (رمتني بدائها وانسلت) لأنه قد
اشتهر بالتساهل الديني بما لم يشتهر به غيره من الوزراء وكان هو الوزير الذي
أدخل تعليم الدين المسيحي في مدارس الحكومة في عهد وزارته للمعارف فجاء
بعمل لا نظير له في حكومة من حكومات أوربة نفسها دع غيرها، والقبط يعرفون
ظاهره وباطنه، ويعتقدون أنه إذا تم الاستقلال لمصر على يده وكان صاحب النفوذ
اللائق به في حكومتها المستقلة فإن حظهم منها سينيلهم ما لم ينالوا في عهد الاحتلال.
وقد كان الإنكليز آمنين من انقلاب سياسي في البلاد بسعي الذين يتربون على
الطريقة الإفرنجية - ولا سيما الإنكليزية - لاعتقادهم أن هؤلاء لا يهمهم غير
أهوائهم وشهواتهم الشخصية، فبدا لهم ما لم يكونوا يحتسبون، وجاءت النهضة
الحديثة من قبل الشبان الذين نشأوا في المدارس الأوربية التربية، سواء كانت بمصر
أو أوربة وانتقلت من هؤلاء إلى الأزهريين وغيرهم من شبان المعاهد الدينية،
فكان لهؤلاء الشبان ولقليل من الشيوخ تأثير يذكر في نهضة سنة 1919، ولما
سكنت الحركة وكان من الضغط على كثير من رجالها وشبانها في عهد وزارة
توفيق باشا نسيم ما كان وضع للأزهريين وسائر طلاب المعاهد الدينية نظام خاص
حظر على أهلها أن يشتغلوا بالسياسة وفرض على المشتغلين بها منهم عقابا ليس
هذا محل بيانه.
ولما تنفس الزمان لمصر في هذا العام وسمحت السياسة بما سمحت به من
المظاهرات للوزارة العدلية ثم لسعد باشا زغلول على أمل اتفاقه معها في العمل، كان
لعلماء الأزهر ظهور لم يكن لهم من قبل.
فقد ظهر في ميدان الوطنية السياسية الشيخ محمد بخيت الذي كان من أقوى
أنصار الاحتلال في عهد إعلان الحماية الإنكليزية على البلاد، وقد ولي منصب إفتاء
الديار المصرية فخدم السلطة المحتلة به أي خدمة، فبرأيه ورأي شيخ الأزهر في
ذلك العهد حذفوا اسم السلطان العثماني من خطبة الجمعة مع اعتراف البلاد له
بمنصب الخلافة، ولم تجد بريطانية في إمبراطوريتها الهندية من رجال الدين
كهذين الشيخين تستعين بهما على حذف اسم الخليفة من الخطبة، وهما اللذان
أكرها علماء الأزهر على إعانة الصليب الأحمر.
وانفرد المفتي الشيخ بخيت بإصدار تلك الفتوى الطويلة العريضة في تقبيح
البلشفية والتنفير منها حسب اقتراح السلطة المحتلة، وقد سبقت جريدة التيمس
الإنكليزية إلى إخبار العالم بالفتوى البخيتية وبموضوعها قبل صدورها بمدة طويلة