تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يرى مع هذا أن كل ما يؤخذ من الغاصب فهو ربح، ومن يرى أن أخذ بعض

المغصوب قد يتضمن الاعتراف للغاصب بالبعض الآخر، فالواجب الانتظار لأخذ

الحق كله ولو بعد حين، فكان هذا خلافا يداخل الاتفاق وإن لم يذكر في الوقت الذي

لم يظهر من الغاصب فيه جنوح ما إلى الاعتراف بشيء من الحق لصاحبه، دع

الوعد ببذله كله أو بعضه، فلما أثمر سعي الوفد بقوة وحدة الأمة التي تؤيده جنح

الإنكليز لإرضاء المصريين بالاعتراف لهم بحقهم في إدارة بلادهم واستقلالهم فيها

(بشرط اعترافهم هم لبريطانية العظمى بمركز ممتاز في البلاد تحفظ به مصالحها

ومنافع أوربة بما اكتسبته من الأهلية لهذا الامتياز بالاحتلال الطويل الذي خدمت

البلاد فيه ورقت موارد الثروة فيها وغير ذلك مما تدعيه سواء كان مسلما أم لا)

ودعي الوفد المصري من باريس إلى لندن لأجل المفاوضة في التقرير الذي وضعه

لورد ملنر وزير المستعمرات البريطانية لحل إشكال القضية المصرية - لما كان

ذلك ظهر في المسرح عدلي باشا يكن أحد أركان الوزارة الرشدية التي استقالت

في سبيل تأييد الوفد، فكان وسيطا بين الوفد ولجنة ملنر التي فوضت الحكومة

البريطانية إليها أمر المفاوضة وسبر غور الوفد، وظهرت بتلك الوساطة مبادي

الخلاف الكامن الذي أشرنا إليه، وانتهى بالتفريق والشقاق الذي نشكو منه، فما ثم

شيء جديد إلا وله أصل تليد كان يتخلل بذور الاستقلال المطلق بذور الاستقلال

المقيد بقيد الإمبراطورية، فنبت ذاك أولا في مصر، ونبت هذا بعده في أوربة ثم

في مصر، فكان كالزئوان بين القمح.

لقد فتن الجمهور المصري تبعا لوفده بمشروع ملنر، وبعد طول البحث فيه

والتمحيص له استقر رأي سعد باشا على أنه (حماية مقنعة) الغرض منه جعل

مركز الغاصب المبطل شرعيا بقبول الأمة المصرية هذه الحماية المقنعة، ورأى

عدلي باشا أنه مشروع جدير بأن يبنى عليه الاتفاق بين إنكلترة ومصر، وأنه يمكن

تعديل بعض ما يشتد سعد باشا في إنكاره منه، وكان سعد باشا يرى عدم المفاوضة

في هذا المشروع، ثم رأى بعد مفاوضة لجنة ملنر التي استدرج إليها أنه لا يجوز

جعله أصلا للاتفاق بين مصر وإنكلترة، ولا أساسا للمفاوضات الرسمية، إلا إذا

ألغيت الحماية وقبلت التحفظات التي وضعها الوفد بعد مشاورة الأمة والاطلاع على

رأيها، واشتد النزاع بينه وبين ملنر مرارا حتى هم بقطع المفاوضات، وكان عدلي

باشا يعيد المياه إلى مجاريها بلطفه وكياسته، فأرضى بذلك الإنكليز وعلقوا آمالهم

به، وأغضب سعد باشا، وسعد شديد الشكيمة حديد المزاج إذا غضب جرح فأدمى،

وعدلي باشا رقيق الطبع من أبعد الناس عن النضال والخصام، ولكن مال إليه

بعض أعضاء الوفد وآثروه على رئيسهم في شخصه وفي طريقته، فاجتهدوا أولا

في التأليف بينهما، ولولا ذلك لظهر ما نجم من الشقاق بينهما في أوربة، على أن

سعد باشا أنبأ لجنة الوفد بمصر ببرقية من باريس بأن عدلي باشا مشاق للوفد، فلم

تنشر ذلك اللجنة وتدارك ذلك الأعضاء هنالك، فأصلحوا بينهما إصلاحا التزم فيه

عدلي بألا يعمل عملا إلا بالاتفاق مع الوفد، وحمل سعدا على كتابة برقية تنسخ

البرقية الأولى، فنشرت هذه دون تلك، ويقال أنهم أقنعوا سعدا بأن يؤلف عدلي

وزارة تتولى المفاوضة مع إنكلترة ويكون الوفد بالمرصاد لما يقرره الفريقان، فإن

كان مرضيا أيده وإلا استأنف جهاده وسعيه.

ثم ظهر الخلاف بين سعد والمشايعين لعدلي من أعضاء وفده، فغادره خمسة

منهم وعادوا إلى مصر، فسبقهم إليها نبأ منه بمخالفتهم له فاستقبلهم جند الوطنية من

الشبان أسوأ استقبال منذ بلغوا مرفأ الإسكندرية إلى أن آووا إلى بيوتهم وأسمعوهم

أذى كثيرا مشوبا بالوعيد والنذر، وأخذوا منهم كتابا بأنهم على رأي الرئيس ومعه،

ولكن لم يمنعهم ذلك من بث الدعوة لعدلي باشا والطعن في سعد باشا والتنفير والصد

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ٢٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ٢٢٩