عنه، وكان منهم الغالي والمعتدل في ذلك.
الوزارة العدلية
(12) من القضايا التي صارت معروفة للجمهور ومسلمة بين الخصوم أنه
لما كان الوفد المصري وعدلي باشا في لندن تقرر لدى الحكومة البريطانية أن يؤلف
عدلي باشا بعد عودته إلى مصر وزارة تتولى المفاوضة الرسمية وعقد الاتفاق بين
بريطانية العظمى ومصر على أساس تقرير لجنة ملنر بشرط إلغاء الحماية فقط،
والشائع أن أعضاء الوفد الذين تحولوا ثمة عن سعد إلى مشايعة عدلي قد
تواطئوا معه هنالك على تأييد الوفد له، إما بجذب سعد إليهم وإما بنبذه بأكثر الآراء،
ولولا هذا التواطؤ لم يقبل عدلي باشا أن يدخل في هذه المعمعة وينقض عهده،
فإنه رجل شديد الاحتياط في حفظ كرامته وشرفه واتقاء القيل والقال، دع الاستهداف
للطعن والنضال، وأنهم حاولوا هذا هنا فلما لم يستطيعوا إليه سبيلا تحيزوا إلى
عدلي جهارا، وإننا نلخص خبر الوزارة بموجز من القول:
سبق أن ذكرنا في المنار الصفة الرسمية لتأليف الوزارة، وأنها كانت بسبب
البلاغ البريطاني لعظمة السلطان في شأن المفاوضة باستبدال علاقة أخرى بالحماية
البريطانية على مصر تربطها بالإمبراطورية، وقد اشتهر أن السلطان كان يرغب
أن تتولى وزارة محمد توفيق باشا نسيم ذلك؛ لأنها كانت أحظى الوزارات عنده،
ولما استقالت لأجل هذا العمل عهد إلى محمد مظلوم باشا بتأليف الوزارة المطلوبة
فلم يمكن، ويقال: إنه ذكر غيره، ثم علم أنه لا يمكن أن يقوم بهذا الأمر إلا عدلي
باشا.
ولما ألف عدلي باشا الوزارة ذكر في جوابه عن الأمر السلطاني بتأليفها
خطتها السياسية الناطقة بأنها (ستجعل نصب عينيها في المهمة السياسية التي
ستقوم بها لتحديد العلاقات الجديدة بين بريطانية العظمى وبين مصر، الوصول إلى
اتفاق لا يجعل محلا للشك في استقلال مصر. وستجري في هذه المهمة متشبعة بما
تتوق إليه البلاد ومسترشدة بما رسمته إدارة الأمة، وستدعو الوفد المصري الذي
يرأسه سعد باشا زغلول إلى الاشتراك في العمل لتحقيق هذا الغرض) .
وقع هذا القول على إبهام عبارته واضطرابها [1] أحسن موقع من الأمة؛ فإن
آمالها كانت محصورة في الوفد الذي ينطق باسمها، فرأت أنها قد وجدت في البلاد
حكومة تؤيد الوفد وتعمل معه فأصبحت الأمة والحكومة كلمة واحدة ويدا واحدة بعد
أن كانت الحكومة خصما للأمة منذ تمكن الاحتلال الإنكليزي، وأنشب براثنه فيها
إلى هذا العهد؛ لأجل هذا صفقت الأمة لهذه الوزارة وقابلتها بمظاهرات الثقة بها
والهتاف لها مع الهتاف للوفد ولرئيسه سعد باشا.
التفرق والشقاق بين المصريين
(13) ثم إن الوزارة آذنت سعد باشا - وهو في باريس - بتأليفها وخطتها
وطلبت منه الحضور إلى مصر للتعاون معها على العمل، فبادر فقابلته الأمة من
أعلى طبقاتها إلى أدناها في جميع البلاد من أدناها إلى أقصاها، بمظاهر من
الحفاوة والتكريم، لم يسبق لها شبه ولا نظير، فكانت الأمة كالمجمعة على ما قامت
به جميع هيئاتها النظامية المنتخبة وسائر ممثليها من تكريمه وإعلان الثقة به في
المحافل العامة والمآدب الخاصة، ولكن هذا الإجماع لم يكن تاما عاما سالما من
الشذوذ الخفي، بل كان بعض أعضاء الوفد الذين خرجوا من أوربة مغاضبين،
وبعض الحاسدين الذين زادهم ما رأوا حسدا - يخفون في أنفسهم ما لا يبدون للناس،
فلما تعذر التوفيق بين الوفد والوزارة أو بين رئيسيهما ظهر ما كان خفيا وصار
أعضاء الوفد المغاضبون لرئيسهم يتسللون من (بيت الأمة) [2] لواذا، وينفضون
إلى الوزارة ثبات وأفرادا، ثم استمالوا هم والوزارة إليهم آخرين منهم، وحمي
وطيس الخلاف والجدل، وصرح رئيس الوفد بعدم الثقة بتولي الوزارة للمفاوضة
مع الحكومة الإنكليزية والاتفاق معها على مستقبل مصر، فعارضته الوزارة
وقاومته بكل ما لدى الحكومة من حول وقوة، تظاهرها في ذلك السلطة المحتلة،