بل أقول: إن الحكومة البريطانية العليا في لندن كانت تجهل ما تلده لها الدعوة
(البوربغندة) التي نشرتها في العالم كله طول سني الحرب لإقناع الأمم كلها بأنها مع
حلفائها يقاتلون لتحرير الأمم والشعوب وإزالة ما يريده الألمان وحلفاؤهم من جعل
السلطان للقوة دون الحق، وهو توجه أنفس الشعوب المستعمرة أو المستعبدة
بالأسماء المختلفة إلى الحرية والاستقلال وبغض المستعبد واحتقاره والخروج عليه
مهما تكن النسبة بعيدة بين قوته وضعفها كما كانت تجهل بالأولى أن نفي سعد باشا
زغلول ورفاقه من مصر عند إظهارهم الاستعداد لطلب الاستقلال يولد في مصر
ثورة اجتماعية عامة. كيف وقد سمعت هذه الحكومة ممن كانت تعده أعلم رجالها
بحال المصريين وهو مستشار الداخلية السابق قوله: إذا اشتعلت نار ثورة في
مصر فهو يطفئها ببصقة من فمه.
الوحدة المصرية
وما حدث من صدعها
(10) ظهرت مبادئ استعداد الوحدة المصرية للاستقلال ونبذ السلطة
الإنكليزية بعد وقوع أسبابه التي أشرنا إلى بعضها في زهاء ثلث قرن، فكانت
كلما قاومها الإنكليز تزداد قوة لأنها حقيقية لا صورية مدبرة كما ظنوا بادئ ذي بدء،
ولو علموا أنها حقيقية لعالجوها باللين والخدعة، لا بالشدة والصراحة، ولكن هذه
الوحدة لم تعش أكثر من عامين حتى فت في عضدها التفرق والانقسام، ومن
العجيب أن أعظم مظاهر الاعتصام والوحدة قد كان هو نفسه أعظم مظاهر الانفصام
والفرقة، ألا وهو الوفد المصري الذي أجمعت الأمة على الثقة به، وجعلت في
تصرفه مئات الألوف من الجنيهات، لقد جنى الوفد على نفسه بما جنى على الأمة
فخابت فيه الآمال، وغلب يأس الجمهور على الرجاء، وآخرون متحيرون يقولون
ماعدا مما بدا؟ وهل لمصر من موسى يأتيها بخبر أو يجد على هذه النار هدى؟
وقد يعجبون لقول مثلي بعد هذا التفرق الذي أشرب العداء ولم يسلم من الهجر
والبذاء، على أكابر الزعماء والرؤساء: إن الوحدة المصرية حقيقية ولم تكن خدعة
صورية، نعم إنني قلت ما قلت على علم، وإنني أثبت رأيي بالدليل:
لا تتمحص الحقائق إلا بدخولها في جميع الأطوار التي من شأنها التطور بها،
فما ظهر من التفرق والانقسام في الوحدة المصرية التي أكبرها العالم مدة سنتين
يشبه ما كان من إكبار العالم للانقلاب العثماني الذي هتفت له الشعوب العثمانية على
اختلاف مللها ونحلها، ولغاتها وتربيتها، وتعانقت وتآخت لأجل تنفيذ قانونه، ثم لم
تلبث جمعية الاتحاد والترقي التي أحدثته أن هدمته بيدها، وكذلك هدم الوفد
المصري ما حدث على يديه من الوحدة المصرية واجتماع الكلمة عند نفي رئيسه
وثلاثة من أعضائه المؤسسين إلى مالطة - ثم عند إطلاقهم من اعتقالهم - ثم في
مقاطعة لجنة لورد ملنر وإجماع الأمة على ردها إلى الوفد المصري - ثم في
استقبال لجنة الوفد التي جاءت لاستشارة الأمة في تقرير لورد ملنر - ثم في استقبال
الرئيس سعد باشا زغلول بحفاوة عامة اشترك فيها القطر المصري من أدناه إلى
أقصاه باحتفالات وزينات وخطب وقصائد ومآدب لم يسبق لها نظير، ولم يبق أحد
يجهل أن اتحاد الأمم هو أعظم قوة لها تتبعها سائر القوى إذا ثبتت، وينتكث فتل
كل ما يوجد منها إذا نكثت، فما سبب هذا التفرق بعد ظهور ثمرة الاجتماع بجنوح
بريطانية العظمى إلى استمالة مصر وإرضائها برفع الحماية عنها والاعتراف
بالاستقلال لها، مقيدا ذلك بقيود تحفظ بها مصالحها.
موضوع الاتفاق
وسبب الافتراق
(11) إن ما كان من الوحدة والاتفاق كان على أمر مجمل توجه إليه
استعداد جميع طبقات الشعب، وهذا التفرق لم يزده إلا قوة، ولكن الشعب (لما
اتفق على طلب الاستقلال التام كان أهل الرأي منه يعلمون أن الكمال يقصد في أول
السعي، وقلما ينال إلا في آخره، وأن المسافة بين الأول والآخر في أعمال الأمم
قد تكون قريبة تحسب بالسنين، وقد تكون بطيئة تعد بالأحقاب، ومنهم من كان