تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الاحتلال مؤقت لا تقصد بريطانية العظمى فيه لنفسها نفعا، ولا تنوي سيادة ولا

أثرة، وإنما تنوي خدمة مصر وأوربة والإنسانية، وياطالما خدعوا البشر بمثل هذا

الإيهام، ولم تعرف عامة أمم الأرض رياءهم وخداعهم إلا في هذه الأيام، ثم طفقوا

يمكنون نفوذهم بالتدريج، ويسيطرون على الإدارة والقضاء والتعليم، ويفسدون

أخلاق العامة بالإباحة التي يسمونها الحرية الشخصية، وأخلاق الخاصة بخدمة

الحكومة ذات الرواتب العظيمة، ويمنون على الشعب بأنهم المنقذون له من ظلم

الترك وأعوانهم، والمعدون له للاستقلال الذاتي، حتى إذا ما استعد له تركوا له

بلاده، نعم إنهم ساعدوا ما كانت البلاد متوجهة إليه من إصلاح الري وترقية

الزراعة لتكون البلاد ينبوع ثروة لهم، ولكنهم ندموا أخيرا أنهم لم يحولوا دون

تحصيل بعض الأهالي للثروة الواسعة في بلادهم كما يعلم مما يأتي:

(6) ظل الإنكليز يمهدون السبل لضم مصر إلى مستعمراتهم مدة ثلث قرن

وينتظرون الفرص كدأبهم، حتى إذا ما اشتعلت نار حرب المدنية المادية الملعونة

وآذنوا الدولة العثمانية بالحرب، انتحلوا لأنفسهم ما كان لها من السيادة على مصر،

وأعلنوا حمايتهم عليها، وأطلقوا أيديهم في رجالها وأموالها وغلالها، وحميرها

وجمالها، بل تصرفوا في كل شيء للحكومة وللأمة واستخدموه في حرب الدولة

العثمانية صاحبة السيادة الشرعية على البلاد التي لم تكن تستخدم في سيادتها أحدا

في نفسه ولا تصادره في شيء من ماله، حتى إن الحملة التي وجهت إلى فتح

فلسطين في آخر حرب صليبية - كما وصفها رئيس الوزارة البريطانية لويد

جورج - قد سموها الحملة المصرية، وقد كانت هذه التسمية حقا، وإن قصد بها

معنى آخر خفي - وهو الأخذ بثأر قلب الأسد وسائر الصليبين الذين كسرهم مسلمو

مصر وغيرها بقيادة صلاح الدين (قدس الله روحه) وانتزاع البلاد المقدسة من

المسلمين بحملة مصرية جل العاملين فيها من شبان مسلمي مصر، وجل المال الذي

أنفق فيها على السكك الحديدية وغيرها من مال مسلمي مصر. كما أنه تم بمساعدة

أشهر الأمراء المنسوبين إلى نبي الإسلام عليه وآله من دونهم الصلاة والسلام، ولو

قصدوا بالتسمية معناها الحق، لما صح أن يجازوا المصريين عليها بالرق، بل

لوجب أن يشركوهم بهذا الفتح ويجعلوا لهم حظا من حكم البلاد التي فتحوها كما

جعلوا لأنفسهم مثل هذا الحظ بل أكبر منه في حكم السودان بحجة أنهم شاركوا

مصر في فتحها الثاني له بعد إجبارها على تركها إياه، وإن كان خصوا أنفسهم في

هذه الشركة بالغنم، وحملوا المصريين فيها الغرم، كما بيناه في مقالة خاصة على

إثر الاتفاق على هذه الشركة بينهم وبين بطرس باشا غالي الذي لا يملك من أمر

السودان شيئا، وذلك بعد أن امتنع مصطفى باشا فهمي رئيس النظار عليهم أن

يجعل ذلك الاتفاق بقرار من مجلس النظار محتجا بأن هذا حق الدولة العثمانية

صاحبة السيادة على البلاد وحدها، وكان هذا الامتناع أكبر منقبة لمصطفى باشا

فهمي تدل على شرفه ونزاهته واستقلاله، على ما كان من ضعف إرادته معهم

واستسلامه.

الحماية البريطانية والوزارة الرشدية

(7) أعلنت بريطانية العظمى الحماية على مصر بالاتفاق والمواطأة مع

وزارة رشدي باشا التي كان عدلي باشا أحد أركانها، وهذه الوزارة هي التي مكنت

للإنكليز في البلاد، ومكنتهم من استخدام كل ما تملك الحكومة والأمة من الأعيان

والمنافع والأناسي والدواب والأنعام، ولولاها لما استطاع الإنكليز أن يستخدموا

زهاء ألفي شاب مصري، وينتفعوا بما يقدر بألوف الألوف الكثيرة من الجنيهات،

وقد نقل عنها أنها لم تفعل ذلك إلا عن موعدة وعدوها إياها، وهي منح البلاد

الاستقلال الإداري بعد انتهاء الحرب، وما كان رجالها أول من خدعته الوعود

البريطانية، فنقول: إنهم لا يفقهون السياسة وأخاديعها، ولما انتهت الحرب وزال

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ٢٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ٢٢٦