الأقلام مشتقة من القصب وهي أوهن من العصا، دع السيف ومضاءه، فاحتاج إلى
تأييدها بما يدفع الشبهة ويحشرها في زمرة الأقوال المسلمة، فضرب لها المثل في
البيت الثاني بالخمر التي هي عصارة العنب، وقد امتازت عن بقية العصير بإطفاء
نور العقل وإطلاق اللسان يخبط في فلاة الهذر خبط عشواء فصارت بهذه الخاصية
حقيقة قائمة بنفسها، ومالكة لقوة لم تكن في جنسها.
وقد يكون المعنى مما تألفه العقول، ولا يتشبث به في سياقه ما يجر السامع
إلى ارتياب أو يحمله على إنكار، وإنما يقصد الشاعر إلى إيراده في مثال أوضح
حتى يقع من نفوس السامعين في قرار مكين، ومثال هذا قول سيف الدين بن المشد:
إن ترقى إلى المعالي أولو الفضل ... وساخت تحت الثرى السفهاء
فحباب المدام يعلو على الكأس ... محلا وترسب الأقذاء
فارتفاع الفضلاء إلى المراتب العالية وهبط أهل السفه إلى ما تحت الثرى
ليس في نفسه بأمر يتعجب منه أو يتلقى بإنكار، فمحاكاته بارتفاع الحباب على
وجه الكأس ونزول الأقذاء إلى أسفله إنما كانت مؤكدة له ومفصحة على مناسبته
للحكمة وانطباقه على سنة الله الجارية بارتفاع العناصر النقية ورسوب الأجرام
المتعفنة، ومما صغت على هذا النمط:
لا يألف العز شعبا لج في وسن ... من الخلاعة لا مسعى ولا أملا
كالدر يزهو على صدر الفتاة وإن ... دب النعاس إلى أجفانها اعتزلا
ومن الدواعي إلى التخييل تخصيص بعض السامعين أو القارئين بفهم المعنى
إما لفضل ألمعيته أو لأن في يده من القرائن المساعدة له على الفهم ما ليس في يد
غيره، فلو حاورك إنسان في أمة من الناس أقاموا على فريق من أموالهم رقباء
فأردت أن تذكر له أن أولئك الرقباء لم يحرسوها بعين الأمانة حتى تناولها قوم
ملأوا منها حقائبهم ونثروها في سبيل شهواتهم، فكتبت إليه على مثال ما كنت قلت:
يا رياضا خانها الحراس إذ ... غرقت أحداقهم في وسن
سرقت ريح الصبا منك شذى ... طاب وانسابت به في الدمن
لم يستطع فهم ما أردت من الكلام إلا من دارت بينك وبينه تلك المحاورة،
وقد يذهب الشاعر إلى التخييل لقصد التهكم، كما قال المعري يتهكم بمن يحكي أن
أول من شاب إبراهيم عليه السلام:
ما أقبح المين قلتم لم يشب أحد ... حتى أتى الشيب إبراهيم عن أمم
كذبتم ونجوم الليل شاهدة ... أن المشيب قديما حل في الأمم
فكأنه يقول هذه الرواية الملفقة ليست أهلا لأن تقابل بغير هذا الرد القائم على
الخيال، ويقرب من تخييل نجوم الليل بالمشيب قول أحمد بن دراج القسطلي يصف
الجرة:
وقد خيلت طرق الجرة أنها ... على مفرق الليل البهيم قتير
وربما لا يجد الشاعر داعيا إلى مسلك التخيييل بعد بسط النفس سوى التنبيه
على ما بين المعاني من المناسبات الخفية أو مجاراة البلغاء وإقامة الشاهد على
الحذق في هذه الصناعة، ومما يرمي إلى أحد هذين الغرضين ما يتعلق به الأدباء
في وصف بعض المناظر الفطرية كالكواكب والحدائق، أوالصناعية كالشمعة
والسفينة.
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... محمد الخضر
((يتبع بمقال تال)) ... ... ... ... ... ...
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">