تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" أنه صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن رواحة إلى خيبر يخرص عليهم "

الحديث. وروى أبو داود والدارقطني من حديث جابر

" لما فتح الله على رسوله خيبر أقرهم، وجعلها بينه وبينهم، فبعث عبد الله بن رواحة فخرصها عليهم "

الحديث ورواه ابن ماجه من حديث ابن عباس. وروى الدارقطني

" عن سهل بن أبي خيثمة " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أباه خارصا فجاء رجل، فقال يا رسول الله إن أبا خيثمة قد زاد علي "

الحديث، ثم ذكر ابن حجر حديث عتاب، وحديث عائشة اللذين قدمناهما، ثم قال وفي الصحابة، لأبي نعيم من طريق

" الصلت بن زبيد بن الصلت عن أبيه عن جده " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمله على الخرص، فقال " ثبت لنا النصف، وأبق لهم النصف، فإنهم يسرقون، ولا نصل إليهم ".

فبهذا الحديث ذكرنا كله تعلم أن الخرص حكم ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ظن وتخمين باطل، بل هو اجتهاد ورد به الشرع في معرفة قدر الثمر وإدراكه بالخرص الذي هو نوع من المقادير والمعايير، فهو كتقويم المتلفات ووقت الخرص حتى يبدو صلاح الثمر، كما قدمنا لما قدمنا، من الرواية " بأنه صلى الله عليه وسلم كان يبعث الخارص فيخرص عليهم النخل حين يطيب قبل أن يؤكل " ، ولا خلاف في ذلك بين العلماء.

والجمهور القائلون بالخرص اختلفوا في حكمه، فقيلك هو سنة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يأمر به، وقيل واجب لما تقدم في حديث عتاب من قوله " أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرص العنب " الحديث المتقدم، قالوا الأمر للوجوب، ولأنه إن ترك الخرص قد يضيع شيء من حق الفقراء، والأظهر عدم الوجوب، لأن الحكم بأن هذا الأمر واجب يستوجب تركه العقاب يحتاج إلى دليل ظاهر قوي، و الله تعالى اعلم. واختلف العلماء القائلون بالخرص هل على الخارص أن يترك شيئا، فقال بعض العلماء عليه أن يترك الثلث أو الربع، لما رواه الإمام أحمد، وأصحاب السنن إلا ابن ماجه، وابن حبان، والحاكم وصححاه عن سهل ابن أبي حثمة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

" إذا خرصتم فخذوا، ودعوا الثلث، فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع "

فإن قيل في إسناده عبد الرحمن بن مسعود بن نيار الراوي عن سهل بن أبي حثمة. وقد قال البزار إنه انفرد به، وقال ابن القطان لا يعرف حاله، فالجواب أن له شاهدا بإسناد متفق عليه على صحته " أن عمر بن الخطاب أمر به، قاله الحاكم، ومن شواهده ما رواه ابن عبد البر عن جابر مرفوعا " خففوا، في الخرص " الحديث، وفي إسناده ابن لهيعة. وممن قال بهذا القول الإمام أحمد، وإسحاق، والليث، وأبو عبيد وغيرهم، ومشهور مذهب مالك. والصحيح في مذهب الشافعي أن الخارص لا يترك شيئا. قال مقيده عفا الله عنه والقول بأنه يترك الثلث أو الربع هو الصواب لثبوت الحديث الذي صححه ابن حبان، والحاكم بذلك، ولم يثبت ما يعارضه، ولأن الناس يحتاجون إلى أن يأكلوا ويطعموا جيرانهم وضيوفهم، وأصدقاءهم، وسؤالهم، ولأن بعض الثمر يتساقط وتنتابه الطير وتأكل منه المارة، فإن لم يترك لهم الخارص شيئا. فالظاهر أن لهم الأكل بقدر ما كان يلزم إسقاطه، ولا يحسب عليهم. وهذا مذهب الإمام أحمد رحمه الله، وهو مقتضى ما دل عليه الحديث المذكور، فإن زاد الثمر أو نقص عما خرصه به الخارص، فقال بعض العلماء لا زكاة عليه فيما زاد، وتلزمه فيما نقص، لأنه حكم مضى. وقال بعضهم يندب الإخراج في الزائد، ولا تسقط عنه زكاة ما نقص.

قال مقيده عفا الله عنه، أما فيما بينه وبين الله، فلا شك أنه لا تجب عليه زكاة شيء لم يوجد، وأما فيما بينه وبين الناس، فإنها قد تجب عليه قال خليل بن إسحاق المالكي في مختصره، وإن زادت على تخريص عارف فالأحب الإخراج، وهل على ظاهره أو الوجوب تأويلان. قال شارحه المواق من المدونة قال مالك من خرص عليه اربعة أوسق فرفع خمسة أوسق أحببت له أن يزكي ابن يونس، قال بعض شيوخنا لفظة أحببت ها هنا على الإيجاب، وهو صواب كالحاكم يحكم بحكم، ثم يظهر أنه خطأ صراح ابن عرفة، على هذا حملها الأكثر، وحملها ابن رشد، وعياض على الاستحباب. قال مقيده عفا الله عنه ووجوب الزكاة في الزائد هو الأظهر، وعليه أكثر المالكية، وهو الصحيح عند الشافعية، وأما النقص، فإذا ثبت ببينة أنها نقصت عما خرصت به، فالظاهر أنه تسقط عنه زكاة ما نقصت به، وإن ادعى غلط الخارص. فقد قال بعض أهل العلم لم تقبل دعواه لأن الخارص أمين، وقال بعض العلماء تقبل دعواه غلط الخارص، إذا كانت مشبهة، أما إذا كانت بعيدة، كدعواه زيادة النصف، أو الثلثين فلا يقبل قوله في الجميع، وهذا التفصيل هو مذهب الشافعي، وأحمد إلا أن بعض الشافعية قال، يسقط عنه من الكثير الذي ادعى قدر النقص الذي تقبل دعواه فيه، وأما إن ادعى أن الخارص جار عليه عمدا، فلا تقبل دعواه عليه بلا خلاف، كما لو ادعى جور الحاكم، أو كذب الشاهد، وكذا أذا ادعى أنه غلط في الخرص، ولم يبين قدر ما زاد لم يقبل منه نص عليه علماء الشافعية، وإن ادعى رب الثمر أنه أصابته جائحة أذهبت بعضه، فالظاهر تصديقه فيما يشبه قوله، كما لو ادعى أن بعضه سرق بالليل مثلا قيل بيمين. وقيل لا وإن أضاف هلاك الثمرة إلى سبب يكذبه الحس، كأن يقول هلكت بحريق وقع في البحرين في وقت كذا، وعلمنا أنه لم يحترق في ذلك الوقت لم يلتفت إلى كلامه، فإن علم وقوع السبب الذي ذكر، وعموم أثره صدق بلا يمين، وإن اتهم حلف، قيل وجوبا، وقيل استحبابا، وإن لم يعرف عدم السبب المذكور ولا وجوده، فالصحيح أنه يكلف بالبينة على وجود أصل السبب، ثم القول قوله في الهلاك به، وهذا التفصيل الأخير للشافعية ذكره النووي في شرح المهذب، ووجهه ظاهر، والله تعالى أعلم. وجمهور العلماء على أنه لا يخرص غير التمر، والزبيب، فلا يخرص الزيتون والزرع ولا غيرهما، وأجازه بعض العلماء في الزيتون، وأجازه بعضهم في سائر الحبوب. والصحيح أنه لا يجوز إلا في التمر والعنب لثلاثة أمور الأول أن النص الدال على الخرص لم يرد إلا فيهما كما تقدم في حديث عتاب بن أسيد وغيره من الأحاديث.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٣١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٣١١