الثاني أن غيرهما ليس في معناهما، لأن الحاجة تدعو غالبا إلى أكل الرطب قبل أن يكون تمرا، والعنب قبل أن يكون زبيبا، وليس غيرهما كذلك الثالث أن ثمرة النخل ظاهرة مجتمعة في عذوقها، والعنب ظاهر أيضا مجتمع في عناقيده، فحزرهما ممكن بخلاف غيرهما من الحبوب، فإنه متفرق في شجره والزرع مستتر في سنبله. والظاهر أن ما جرت العادة بالحاجة إلى أكله لا يحسب، لما قدمنا، وقال المالكية يحسب عليهم كلما أكلوه من الحب، ولا يحسب ما تأكله الدواب في درسها. المسالة الثانية لا يجوز إخراج زكاة الثمار إلا من التمر اليابس والزبيب اليابس، وكذلك زكاة الحبوب لا يجوز إخراجها، إلا من الحب اليابس بعد التصفية، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء، وأجرة القيام على الثمار والحبوب حتى تيبس وتصفى من خالص مال رب الثمرة والزرع، فإن دفع زكاة التمر بسرا أو رطبا أو دفع مكاة الزبيب عنبا لم يجزه ذلك، لأنه دفع غير الواجب، لأن الواجب تمر وزبيب يابسان إجماعا. وقد قال ابن قدامة في المغني فإن كان المخرج للرطب رب المال لم يجزه ولزمه إخراج الفضل بعد التجفيف، لأنه أخرج غير الفرض فلم يجزه، كما لو أخرج الصغير عن الماشية الكبار، وهو نص صريح منه في أن الرطب غير الواجب، وأن منزلته من التمر الذي هو الواجب كمنزلة صغار الماشية من الكبار التي هي الواجبة في زكاة الماشية. وقال النووي في شرح المهذب ما نصه فلو أخرج الرطب والعنب في الحال لم يجزئه بلا خلاف، ولو أخذه الساعي غرمه بلا خلاف، لأنه قبضه بغير حق، وكيف يغرمه فيه وجهان مشهوران ذكرهما المصنف في آخر الباب الصحيح الذي قطع به الجمهور، ونص عليه الشافعي رضي الله عنه، أنه يلزمه قيمته. والثاني يلزمه مثله وهما مبنيان على أن الرطب والعنب مثليان أم لا، والصحيح المشهور أنهما ليسا مثليين ولو جف عند الساعي، فإن كان قدر الزكاة أجزأ، وإلا رد التفاوت أو أخذه كذا قاله العراقيون وغيرهم، وحكى ابن كج وجها أنه لا يجزئ بحال لفساد القبض، قال الرافعي وهذا الوجه أولى والمختار ما سبق انتهى كلام النووي بلفظه، وهو صريح في عدم إجزاء الرطب والعنب بلا خلاف عند الشافعية. وقال صاحب المهذب ما نصه فإن أخذ الرطب وجب رده، وإن فات وجب رد قيمته، ومن أصحابنا من قال يجب رد مثله، والمذهب الأول لأنه لا مثل له، لأنه يتفاوت، ولهذا لا يجوز بيع بعضه ببعض اه. منه بلفظه، وهو صريح في عدم إجزاء الرطب في زكاة التمر، وهذا الذي ذكرنا عن عامة العلماء من أن الزكاة لا تؤخذ إلا من التمر والزبيب اليابسين، هو مذهب مالك وعامة أصحابه وفي الموطأ ما نصه.
قال مالك الأمر المجتمع عليه عندنا أن النخل تخرص على أهلها وثمرها في رؤوسها إذا طاب وحل بيعه، ويؤخذ منه صدقته تمرا عند الجذاذ إلى أن قال وكذلك العمل في الكرم انتهى محل الفرض منه بلفظه، وفيه تصريح مالك رحمه الله بأن الأمر المجتمع عليه من علماء زمنه، أن الزكاة تخرج تمرا، وهو يدل دلالة واضحة على أن من ادعى جواز إخراجها من الرطب أو البسر، فدعواه مخالفة للأمر المجتمع عليه عند مالك وعلماء زمنه. ومن أوضح الأدلة على ذلك، أن البلح الذي لا يتتمر والعنب الذي لا يتزبب كبلح مصر وعنبها، لا يجوز الإخراج منه مع تعذر الواجب الذي هو التمر والزبيب اليابسان، بل تدفع الزكاة منه ثمنه أو قيمته عند مالك وأصحابه، فلم يجعلوا العنب والرطب أصلا، ولم يقبلوهما بدلا عن الأصل، وقالوا بوجوب الثمن إن بيع، والقيمة إن أكل. قال خليل في مختصره وثمن غير ذي الزيت وما لا يجف ومراده بقوله وما لا يجف أن الرطب والعنب اللذين لا ييبسان يجب الإخراج من ثمنهما لا من نفس الرطب والعنب، وفي المواق في شرح قول خليل، وإن لم يجف ما نصه. قال مالك إن كان رب هذا النخل لا يكون تمرا، ولا هذا العنب زبيبا فليخرص أن لو كان ذلك فيه ممكنا، فإن صح في التقدير خمسة أوسق أخذ من ثمنه انتهى محل الغرض منه بلفظه، وهو نص صريح عن مالك أنه لا يرى إخراج الرطب، والعنب في الزكاة لعدوله عنهما إلى الثمن في حال تعذر التمر والزبيب اليابسين، فكيف بالحالة التي لم يتعذرا فيها. والحاصل أن إخراج الرطب والعنب عما يبس من رطب وعنب، لم يقل به أحد من العلماء، ولا دل عليه دليل من كتاب ولا سنة ولا قياس وأما الذي لا ييبس كبلح مصر وعنبها ففيه قول مرجوح عند المالكية بإجزاء الرطب والعنب، ونقل هذا القول عن ابن رشد، وسترى إن شاء الله في آخر هذا المبحث كلام الشافعية والحنابلة فيه، فإن قيل فما الدليل على أنه لا يجزئ إلا التمر والزبيب اليابسان دون الرطب والعنب؟ فالجواب أن ذلك دلت عليه عدة أدلة الأول هو ما قدمنا من حديث عتاب بن أسيد رضي الله عنه قال