6.131
النفي في هذه الآية الكريمة منصب على الجملة الحالية، والمعنى أنه لا يهلك قوما في حال غفلتهم، أي عدم إنذارهم، بل لا يهلك أحدا إلا بعد الإعذار والإنذار على ألسنة الرسل عليهم صلوات الله وسلامه، كما بين هذا المعنى في آيات كثيرة كقوله
وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا
الإسراء 15، وقوله
رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل
النساء 165، وقوله
وإن من أمة إلا خلا فيها نذير
فاطر 24، وقوله
ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت
النحل 36 إلى غير ذلك من الآيات.
6.132
قوله تعالى ﴿ ولكل درجات مما عملوا ﴾. بين في موضع آخر أن تفاضل درجات العاملين في الآخرة أكبر، وأن تفضيلها أعظم من درجات أهل الدنيا، وهو قوله
انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا
الإسراء 21.
6.141
قوله تعالى ﴿ وآتوا حقه يوم حصاده ﴾. اختلف العلماء في المراد بهذا الحق المذكور هنا، وهل هو منسوخ أو لا؟ فقال جماعة من العلماء هذا الحق هو الزكاة المفروضة، وممن قال بهذا أنس بن مالك، وابن عباس وطاوس، والحسن وابن زيد وابن الحنفية، و الضحاك وسعيد بن المسيب، ومالك، نقله عنهم القرطبي، ونقله ابن كثير عن أنس وسعيد وغيرهما، ونقله ابن جرير عن ابن عباس وأنس والحسن وجابر بن زيد، وسعيد بن المسيب وقتادة وطاوس ومحمد ابن الحنفية، والضحاك وابن زيد. وقال قوم ليس المراد به الزكاة، وإنما المراد به أنه يعطي من حضر من المساكين يوم الحصاد القبضة والضغث ونحو ذلك، وحمله بعضهم على الوجوب، وحمله بعضهم على الندب قال القرطبي وقال علي بن الحسين، وعطاء والحكم، وحماد وسعيد بن جبير، ومجاهد هو حق في المال سوى الزكاة أمر الله به ندبا، وروي عن ابن عمر ومحمد ابن الحنفية أيضا، ورواه أبو سعيد الخدري عنه صلى الله عليه وسلم، قال مجاهد إذا حصدت فحضرك المساكين فاطرح لهم من السنبل، وإذا جذذت فألق لهم من الشماريخ، وإذا درسته وذريته فاطرح لهم منه، وإذا عرفت كيله فأخرج منه زكاته. وقال قوم هو حق واجب غيرالزكاة، وهو غير محدد بقدر معين، وممن قال به عطاء كما نقله عنه ابن جرير. وقال قوم هي منسوخة بالزكاة، واختاره ابن جرير، وعزاه الشوكاني في تفسيره لجمهور العلماء، وأيده بأن هذه السورة مكية، وآية الزكاة نزلت بالمدينة في السنة الثانية بعد الهجرة. وقال ابن كثير في القول بالنسخ نظر، لأنه قد كان شيئا واجبا في الأصل، ثم إنه فصل بيانه، وبين مقدار المخرج وكميته، قالوا وكان هذا في السنة الثانية من الهجرة. والله أعلم. انتهى من ابن كثير. ومراده أن شرع الزكاة بيان لهذا الحق لا نسخ له، وممن روى عنه القول بالنسخ ابن عباس ومحمد بن الحنفية، والحسن والنخعي وطاوس، وأبو الشعثاء وقتادة والضحاك وابن جريج، نقله عنهم الشوكاني والقرطبي أيضا، ونقله عن السدي وعطية، ونقله ابن جرير أيضا عن ابن عباس وابن الحنفية، وسعيد بن جبير وإبراهيم والحسن، والسدي وعطية، واستدل ابن جرير للنسخ بالإجماع على أن زكاة الحرث لا تؤخذ إلا بعد التذرية والتنقية، وزكاة التمر لا تؤخذ إلا بعد الجذاذ، فدل على عدم الأخذ يوم الحصاد فعلم أن الآية منسوخة، أو أنها على سبيل الندب، فالأمر واضح. وعلى أن المراد بها الزكاة، فقد اشير إلى أن هذا الحق المذكور هو جزء المال الواجب في النصاب في آيات الزكاة، وهو المذكور في قوله
يأيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم وممآ أخرجنا لكم من الأرض
البقرة 267 الآية، وبينته السنة، فإذا علمت ذلك، فاعلم أنه يحتاج هنا إلى بيان ثلاثة اشياء الأول تعيين ما تجب فيه الزكاة مما تنبته الأرض. الثاني تعيين القدر الذي تجب فيه الزكاة منه. الثالث تعيين القدر الواجب فيه وسنبينها إن شاء الله مفصلة. اعلم أولا أنه لا خلاف بين العلماء في وجوب الزكاة في الحنطة، والشعير والتمر والزبيب. واختلف فيما سواها مما تنبته الأرض فقال قوم لا زكاة في غيرها من جميع ما تنبته الأرض، وروي ذلك عن الحسن، وابن سيرين والشعبي. وقال به من الكوفيين ابن أبي ليلى، والثوري، والحسن بن صالح، وابن المبارك، ويحيى بن آدم، وإليه ذهب ابو عبيد. وروي ذلك عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو مذهب أبي موسى، فإنه كان لا يأخذ الزكاة إلا من الحنطة، والشعير والتمر والزبيب. ذكره وكيع عن طلحة بن يحيى، عن أبي بردة، عن أبيه، كما نقله عنهم القرطبي. واستدل أهل هذا القول بما رواه الدارقطني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو، أنه قال إنما سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاة في الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، وفي رواية عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال