تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم ساق الوجوه العديدة على تحريمه وإبطاله. وقال في سادسها:

إن الله تعالى أخبر عن أهل السبت من اليهود بمسخهم قردة لما احتالوا على إباحة ما حرمه الله تعالى عليهم من الصيد، بأن نصبوا الشباك يوم الجمعة، فلما وقع فيها الصيد، أخذوه يوم الأحد. قال بعض الأئمة: ففي هذا زجر عظيم لمن يتعاطى الحيل على المناهي الشرعية، ممن يتلبس بعلم الفقه، وهو غير فقيه، إذ الفقيه من يخشى الله تعالى بحفظ حدوده، وتعظيم حرماته، والوقوف عندها، ليس المتحيل على إباحة محارمه، وإسقاط فرائضه. ومعلوم أنهم لم يستحلوا ذلك تكذيبا لموسى عليه السلام وكفروا بالتوراة، وإنما هو استحلال تأويل. واختيال ظاهره ظاهر الإيفاء، وباطنه باطن الاعتداء، ولهذا - والله أعلم - مسخوا قردة؛ لأن صورة القرد فيها شبه من صورة الإنسان، وفي أوصافه شبه منهم، وهو مخالف له في الحد والحقيقة. فلما نسخ أولئك المعتدون دين الله تعالى بحيث لم يتمسكوا إلا بما يشبه الدين في بعض ظاهره، دون حقيقته، مسخهم الله قردة يشبهونهم في بعض ظواهرهم، دون الحقيقة، جزاء وفاقا.

ثم روي في عاشرها عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود، وتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل ".

الثالث: دلت الآيات على أن أهل هذه القرية صاروا إلى ثلاث فرق: فرقة ارتكبت المحذور، واحتالوا على صيد السمك يوم السبت، كما بينا. وفرقة نهت عن ذلك واعتزلتهم، وفرقة سكتت فلم تفعل ولم تنه، ولكنها قالت للمنكرة: لم تنهون هؤلاء، وقد علمتم أنهم قد هلكوا واستحقوا العقوبة من الله، فلا فائدة في نهيكم إياهم؟ فأجابتها المنكرة: بأنا نفعل ذلك اعتذارا إلى ربنا فيما أخذ علينا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ثم نص الله على نجاة الناهين، وهلاك الظالمين.

قال ابن كثير: وسكت عن الساكتين؛ لأن الجزاء من جنس العمل، فهم لا يستحقون مدحا فيمدحوا، ولا ارتكبوا عظيما فيذموا، ومع هذا فقد اختلف الأئمة فيهم: هل كانوا من الهالكين، أو من الناجين؟ على قولين. ويروى أن ابن عباس كان توقف فيهم. ثم صار إلى نجاتهم، لما قال له غلامه عكرمة: ألا ترى أنهم قد كرهوا ما هم عليه، خالفوهم، وقالوا: لم تعظون قوما الله مهلكهم؟ فكساه حلة.

الرابع: دل قوله تعالى:

قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون

[الأعراف: 164] على أن النهي عن المنكر لا يسقط، ولو علم المنكر عدم الفائدة فيه، إذ ليس من شرطه حصول الإمتثال عنه، ولو لم يكن فيه إلا القيام بركن عظيم من أركان الدين، والغيرة على حدود الله، والإعتذار إليه تعالى، وإذ شدد في تركه - لكفاه فائدة.

ولما ذكر تعالى بعض مساوئ اليهود، تأثره ببيان أنه حكم عليهم بالذل والصغار إلى يوم القيامة فقال سبحانه:

﴿ وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم... ﴾.

محاسن التأويل · الصفحة ١٢٦٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ١٢٦٥