تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" بعثت بالحنيفية السمحة "

وقال صلى الله عليه وسلم لأميريه معاذ وأبي موسى الأشعري، لما بعثهما إلى اليمن:

" بشرا ولا تنفرا، ويسرا ولا تعسرا، وتطاوعا ولا تختلفا ".

وقدمنا أن (الإصر والأغلال) استعارة لما كان في شرائعهم من الأشياء الشاقة. فمنها تحريم طبخ الجدي بلبن أمه، ومنها نظام الأعياد التي يعيدونها لله في السنة وهي عيد الفطير وعيد الحصاد وعيد المظال، وكذلك عيد كل سبت، لا يعمل فيه أدنى عمل. وكذلك سبت المزارع. ففي كل سنة سابعة سبت للأرض، لا يزرع فيها، ولا يقطف الكرم، بل تترك الأراضي عطلا، وغلات الكروم مأكلا لفقراء شعبهم ووحوش البرية. ومنها أن من ضرب أباه أو أمه أو شتمهما أو تمرد عليهما وعصاهما يقتل حدا.

وكذا من يعمل يوم السبت يقتل. ومن كان به جن أو تابعة يرجم بالحجارة حتى يموت. ومن تزوج فتاة فادعى أنه لم يجد لها عذرة، ثم تبين كذبه، جميعا يقتلان، وإذا أمسكت امرأة عورة رجل تقطع يدها. وإذا نطح ثور رجلا أو امرأة فمات المنطوح، ويرجم الثور ولا يؤكل لحمه، ومن اضطجع مع امرأة طمث يقطعان من شعبهم. ومن طلق امرأته ثم تزوجت آخر. وطلقها أو مات عنها، فلا يجوز لزوجها الأول أن يرجعها. وغير ذلك من الآصار التي تقدم بعضها في آخر سورة البقرة - فراجعه.

التاسع: قال الجشمي: تدل الآية على أن شريعته صلى الله عليه وسلم أسهل الشرائع، وأنه وضع عن أمته كل ثقل كان في الأمم الماضية، وذلك نعمة عظيمة على هذا الأمة. وتدل على وجوب تعظيم الرسول، ونصره بالجهاد، ونصرته بنصرة دينه، وكل أمر يؤدي إلى توهين ما يتصل بذلك؛ لأن جميع ذلك من باب النصرة. وهذا لا يختص بعصره. فجميع ذلك لازم إلى انقضاء التكليف. ولعل الجهاد بالبيان، وإيراد الحجة، ووضع الكتب فيه، وحل شبه المخالفين، يزيد في كثير من الأوقات على الجهاد بالسيف، ولهذا قلنا (منازل العلماء في ذلك أعظم المنازل) اه.

العاشر: قال العلامة البقاعي: لما تراسلت الآي، وطال المدى في أقاصيص موسى عليه السلام، وبيان مناقبه العظام، ومآثره الجسام، وكان ذلك ربما أوقع في بعض النفوس أنه أعلى المرسلين منصبا، وأعظمهم رتبة ساق سبحانه هذه الآيات، هذا السياق، على هذا الوجه، الذي بين أعلاهم مراتب، وأزكاهم مناقب، الذي خص برحمته من يؤمن به من خلقه، قوة أو فعلا. وجعل سبحانه ذلك في أثناء قصة بني إسرائيل، اهتماما به، وتعجيلا له، مع ما سيذكر، مما يظهر أفضليته، ويوضح أكمليته، بقصته مع قومه، في مبدأ أمره وأوسطه ومنتهاه، وفي سورة (الأنفال) و (براءة) بكمالهما.

ثم قال البقاعي: لما تم ما نظمه تعالى في أثناء هذه القصص، من جواهر أوصاف هذا النبي الكريم، حث على الإيمان به، إيجابا على وجه علم منه أنه رسول الله إلى كل مكلف، تقدم زمانه أو تأخر - أمره سبحانه أن يصرح بما تقدم التلويح إليه، ويصرح بما أخذ ميثاق الرسل عليه، تحقيقا لعموم رسالته، وشمول دعوته، فقال سبحانه:

﴿ قل يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السموت والأرض... ﴾.

محاسن التأويل · الصفحة ١٢٦٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ١٢٦٠