تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الذين هم في صلاتهم خاشعون

[المؤمنون: 2]: فكان بصره لا يجاوز موضع سجوده. فهذا مما جاءت به الشريعة تكميلا للفطرة؛ لأن الداعي المأمور بالذل، لا يناسب حاله أن ينظر إلى ناحية من يدعوه. خلافا للجهمية الذين لا يفرقون بين العرش وقعر البحر، وقد قال تعالى:

قد نرى تقلب وجهك في السمآء...

الآية [البقرة: 144] - ثم بين تأويل:

" الحجر الأسود يمين الله في الأرض فمن صافحه وقبله فكأنما صافح الله تعالى وقبل يمينه "

وقال: قد ظنوا أن هذا وأمثاله محتاج إلى التأويل، وهذا وهم؛ لأنه لو كان هذا اللفظ ثابتا عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه صريح في أن الحجر ليس هو من صفاته تعالى، وتقييده بالأرض يدل على أنه ليس هو يده على الإطلاق، فلا تكون اليد حقيقة. وقوله:

" فكأنما صافح الله تعالى "

.. الخ، صريح في أن المصافح ليس مصافحا له تعالى؛ لأن المشبه ليس هو المشبه به.

إلى أن قال: فهذا كله بتقدير كرية العرش، وأما إذا قدر لأنه ليس بكري الشكل، بل هو فوق العالم من الجهة التي هي وجه الأرض، وأنه فوق الأفلاك الكرية، كما أن وجه الأرض الموضع للأنام، فوق نصف الأرض الكري، أو غير ذلك من المقادير التي يقدر فيها أن العرش فوق ما سواه - فعلى كل تقدير لا يتوجه إلى الله تعالى إلا إلى العلو، مع كونه على عرشه مباينا لخلقه.

وعلى ما ذكرناه لا يلزم شيء من المحذور والتناقض، وهذا يزيل كل شبهة تنشأ من اعتقاد فاسد، وهو أن يظن أن العرش إذا كان كريا، والله تعالى فوقه كما تقتضيه ذاته، سبحانه، عن مشابهة المخلوقين - وجب (فيما عند الزاعم) أن يكون سبحانه كريا، ثم يعتقد أنه إذا كان كريا فيصح التوجه إلى ما هو كري كالفلك التاسع من جميع الجهات، وهذا خطأ، فإن القول بأن العرش كري لا يجوز أن يظن أنه مشابه للأفلاك في أشكالها وأقدارها أو في صفاتها، بل قد تبين أن سبحانه أعظم وأكبر من أن تكون المخلوقات عنده أصغر من الحمصة في يد أحدنا. فإذا كانت الحمصة مثلا في يد الإنسان أو تحته أو نحو ذلك، هل يتصور عاقل، إذا استشعر علو الإنسان على ذلك وإحاطته، بأن يكون الإنسان كالفلك؟ فالله تعالى - وله المثل الأعلى - أعظم من أن يظن به ذلك. وإنما يظنه الذين لم يقدروا الله:

وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيمة والسموت مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون

[الزمر: 67]. وإذا لم يكن كريا، فالأمر ظاهر مما تقدم، وبهذا يظهر الجواب عن السؤال من وجوه متعددة، والله تعالى أعلم.

وإنما أشبعنا الكلام في هذا المقام؛ لأنه من أصول العقائد الدينية، ومهمات المسائل التوحيدية، وقد كثر فيه تعارك الآراء، وتصادم الأهواء، ولم يأت جمهور المتكلمين المؤولين بشيء يعلق بقلب الأذكياء، بل اجتهدوا في إيراد التمحلات التي تأتي تأباها فطرة الله أشد الإباء، فبقيت نفوس أنصار السنة المحققين، مائلة إلى مذهب السلف الصالحين، فإن الأئمة منهم، كان عقدهم ما بيناه فلا تكن من الممترين، والحمد لله رب العالمين.

وقوله تعالى: ﴿ يغشي اليل النهار ﴾ أي: يغطيه به، يعني: أنه تعالى يأتي بالليل على النهار، فيغطيه ويلبسه، حتى يذهب بنوره، ويصير الجو مظلما، بعد ما كان مضيئا. قال الشهاب: وجوز جعل الليل والنهار مغشي على الاستعارة، بأن يجعل غشيان مكان النهار وإظلامه بمنزلة غشيانه للنهار نفسه، فكأنه لف عليه لف الغشاء؛ أو شبه تغييب كل منهما، بطريانه عليه، بستر اللباس للابسه - انتهى.

ولم يذكر العكس للعلم به، أو لأن اللفظ يحتملهما، ولذلك قرئ: ﴿ يغشي اليل النهار ﴾ بنصب الليل، ورفع النهار: ﴿ يطلبه حثيثا ﴾ أي: يعقبه سريعا، كالطالب له، لا يفصل بينهما شيء.

قال الرازي: وإنما وصف سبحانه هذه الحركة بالسرعة؛ لأن تعاقب الليل والنهار إنما يحصل بحركة الفلك الأعظم وتلك الحركة أشد الحركات سرعة، وأكملها شدة، حتى إن الباحثين عن أحوال الموجودات قالوا: الإنسان إذا كان في العدو الشديد الكامل، فإلى أن يرفع رجله ويضعها يتحرك الفلك الأعظم ثلاثة آلاف ميل، وإذا كان الأمر كذلك، كانت تلك الحركة في غاية الشدة والسرعة؛ فلهذا السبب قال تعالى: ﴿ يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ﴾ أي: مذللات لما يراد منها من طلوع وغروب وسير ورجوع بقضائه وتصريفه.

محاسن التأويل · الصفحة ١١٨٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ١١٨٨