تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الرحمن على العرش استوى

[طه: 5] قال: علا، قال: وتقول العرب: استويت فوق الدابة، واستويت فوق البيت. وقال غيره: استوى أي استقر، واحتج بقوله تعالى:

ولما بلغ أشده واستوى

[القصص: 14] انتهى شبابه واستقر، فلم يكن في شبابه مزيد.

قال ابن عبد البر: الاستواء: الاستقرار في العلو، وبهذا خاطبنا الله تعالى في كتابه فقال:

لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه

[الزخرف: 13] وقال تعالى:

واستوت على الجودي

[هود: 44]، وقال تعالى:

فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك

[المؤمنون: 28] وقال الشاعر:

فأوردتهم ماء بفيفاء قفرة

وقد حلق النجم اليماني فاستوى

وهذا لا يجوز أن يتأول فيه أحد (استولى)؛ لأن النجم لا يستولي. وقد ذكر النضر بن شميل - وكان ثقة مأمونا جليلا في علم الديانة واللغة - قال: حدثني الخليل - وحسبك بالخليل - قال: أتيت أبا ربيعة الأعرابي، وكان من أعلم ما رأيت، فإذا هو على سطح، فسلمنا، فرد علينا السلام، وقال: (استووا)، فبقينا متحيرين ولم ندر ما قال، فقال لنا أعرابي إلى جانبه: إنه أمركم أن ترفعوا، فقال الخليل: هو من قول الله:

ثم استوى إلى السمآء وهي دخان

[فصلت: 11]، فصعدنا إليه، قال: وأما من نزع منهم بحديث يرويه عبد الله بن داود الواسطي عن إبراهيم بن عبد الصمد عن عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله:

الرحمن على العرش استوى

[طه: 5] قال: استولى على جميع بريته، فلا يخلو منه مكان - فالجواب: أن هذا حديث منكر على ابن عباس رضي الله عنهما، ونقلته مجهولة وضعفاء؛ فأما عبد الله بن داود الواسطي وعبد الوهاب بن مجاهد فضعيفان. وإبراهيم بن عبد الصمد مجهول لا يعرف، وهم لا يقبلون أخبار الآحاد، فكيف يسوغ لهم الاحتجاج بمثل هذا الحديث، لو عقلوا وأنصفوا؟ أما سمعوا الله سبحانه حيث يقول:

وقال فرعون يهامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب * أسباب السموت فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا

[غافر: 36-37]؟ فدل على أن موسى عليه الصلاة والسلام كان يقول: إلهي في السماء وفرعون يظنه كاذبا. قال الشاعر:

فسبحان من لا يقدر الخلق قدره

ومن هو فوق العرش فرد موحد

مليك على عرش السماء مهيمن

لعزته تعنو الوجوه وتسجد

وهذا الشعر لأمية بن أبي الصلت. وفيه يقول في وصف الملائكة:

وساجدهم لا يرفع الدهر رأسه

يعظم ربا فوقه ويمجد

قال: فإن احتجوا بقوله تعالى:

وهو الذي في السمآء إله وفي الأرض إله

[الزخرف: 84] وبقوله تعالى:

وهو الله في السموت وفي الأرض

[الأنعام: 3]، وبقوله تعالى:

ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم

[المجادلة: 7]، وزعموا أن الله سبحانه في كل مكان بنفسه وذاته - تبارك وتعالى جده - قيل: لا خلاف بيننا وبينكم وبين سائر الأمة أنه ليس في الأرض دون السماء بذاته، فوجب حمل هذه الآيات على المعنى الصحيح المجمع عليه، وذلك أنه في السماء إله معبود من أهل السماء، وفي الأرض إله معبود من أهل الأرض، وكذا قال أهل العلم بالتفسير. وظاهر هذا التنزيل يشهد أنه على العرش، فالاختلاف في ذلك ساقط، وأسعد الناس به من ساعده الظاهر، وأما قوله في الآية الأخرى:

وفي الأرض إله

[الزخرف: 84] فالإجماع والإتفاق قد بين أن المراد أنه معبود من أهل الأرض. فتدبر هذا فإنه قاطع.

ومن الحجة أيضا في أنه عز وجل على العرش فوق السماوات السبع، أن الموحدين أجمعين من العرب والعجم، إذا كربهم أمر، أو نزلت بهم شدة، رفعوا وجوههم إلى السماء، ونصبوا أيديهم رافعين مشيرين بها إلى السماء، يستغيثون الله ربهم تبارك وتعالى، وهذا أشهر وأعرف عند الخاصة والعامة من أن يحتاج فيه إلى أكثر من حكايته؛ لأنه اضطراري لم يخالفهم عليه أحد، ولا أنكره عليهم مسلم، وقد قال صلى الله عليه وسلم للأمة التي أراد مولاها عتقها، إن كانت مؤمنة، فاختبرها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأن قال لها:

محاسن التأويل · الصفحة ١١٧٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ١١٧٧