تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وروى أبو إسماعيل الأنصاري في (ذم الكلام وأهله) عن أبي زرعة الرازي؛ أنه سئل عن تفسير:

الرحمن على العرش استوى

[طه: 5] فغضب وقال: تفسيره كما تقرأ، هو على عرشه، وعلمه في كل مكان، من قال غير هذا فعليه لعنة الله.

وأسند عن عبد الرحمن بن أبي حاتم قال: سألت أبي وأبا زرعة عن مذهب أهل السنة في أصول الدين، وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار، وما يعتقدان من ذلك؟ فقالا: أدركنا العلماء في جميع الأمصار، حجازا وعراقا، ومصرا وشاما ويمنا، فكان من مذهبهم أن الله تبارك وتعالى على عرشه، بائن من خلقه، كما وصف نفسه، بلا كيف، أحاط بكل شيء علما.

تنبيهات

الأول: في بطلان تأويل (استوى) ب (استولى):

قال الإمام عبد العزيز بن يحيى الكناني، صاحب الشافعي رحمهما الله تعالى، في كتاب (الرد على الجهمية): زعمت الجهمية أن معنى استوى (استولى) من قول العرب: استوى فلان على مصر، يريدون استولى عليها. قال: فيقال له: هل يكون خلق من خلق الله أتت عليه مدة ليس بمستول عليه؟ فإذا قال لا، قيل له: فمن زعم ذلك فهو كافر، فيقال له: يلزمك أن تقول: إن العرش أتت عليه مدة ليس الله بمستول عليه، وذلك لأنه أخبر أنه سبحانه خلق العرش قبل خلق السماوات والأرض، ثم استولى عليه بعد خلقهن، فيلزمك أن تقول: المدة التي كان العرش قبل خلق السماوات والأرض ليس الله بمستول عليه فيها.

ثم ذكر كلاما طويلا في تقرير العلو والاحتجاج عليه.

وقال ابن عرفة في كتاب (الرد على الجهمية): حدثنا داود بن علي قال: كنا عند ابن الأعرابي، فأتاه رجل فقال: ما معنى قوله تعالى:

الرحمن على العرش استوى

[طه: 5]؟ قال: هو على عرشه كما أخبر، فقال: يا أبا عبد الله! إنما معناه استولى. فقال: اسكت. لا يقال: استولى على الشيء حتى يكون له فيه مضاد، فأيهما غلب، قيل: استولى، والله تعالى لا مضاد له، وهو على عرشه كما أخبر. ثم قال: الاستيلاء بعد المغالبة، كما قال النابغة:

إلا لمثلك أو من أنت سابقه

سبق الجواد إذا استولى على الأمد

وروى الخطيب البغدادي عن محمد بن أحمد بن النضر قال: كان ابن الأعرابي جارنا، وكان ليله أحسن ليل، وذكر لنا أن ابن أبي دؤاد سأله: أتعرف في اللغة استوى بمعنى استولى؟ فقال لا أعرفه! وفي رواية: أرادني ابن أبي دؤاد أن أطلب له في بعض لغات العرب ومعانيها:

الرحمن على العرش استوى

[طه: 5] استوى بمعنى: استولى، فقلت له: والله ما يكون هذا، ولا وجدته. وابن الأعرابي أبو عبد الله كان لغوي زمانه - كما قال الذهبي.

وقال الإمام أبو الحسن الأشعري في كتابه الذي سماه (الإبانة في أصول الديانة)، وقد ذكر أصحابه أنه آخر كتاب صنفه، وعليه يعتمدون في الذب عنه، عند من يطعن عليه، فقال:

فصل

في إبانة قول أهل الحق والسنة

فإن قال قائل: قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية والرافضة والمرجئة، فعرفونا قولكم الذي به تقولون. قيل له: قولنا نقول به التمسك بكتاب ربنا، وسنة نبينا، وما روي عن الصحابة والتابعين، وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول أبو عبد الله أحمد بن حنبل، نضر الله وجهه، ورفع درجته، وأجزل مثوبته، قائلون، ولما خالف قوله مخالفون؛ لأنه الإمام الفاضل، والرئيس الكامل، الذي أبان الله به الحق، ودفع به الضلال، وقمع به بدع المبتدعين، وزيغ الزائغين.

ثم قال في (باب الاستواء على العرش): إن قال قائل: ما تقولون في الاستواء؟ قيل له: نقول: إن الله مستو على عرشه، كما قال:

الرحمن على العرش استوى

[طه: 5] وقد قال الله:

إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه

[فاطر: 10]، وقال:

بل رفعه الله إليه

[النساء: 158]، وقال:

يدبر الأمر من السمآء إلى الأرض ثم يعرج إليه

[السجدة: 5]، وقال حكاية عن فرعون:

وقال فرعون يهامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب * أسباب السموت فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا

محاسن التأويل · الصفحة ١١٧٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ١١٧٤