وذلك على وجهين:
أولهما: إنفاق في معصية كالفخار واللعب والزنى والخمر ونحوها.. وثانيهما: أن يتعدى الحدود وذلك مختلف بحال اليسار والإعسار، لأن من له قدر يسير، لو أنفقه في ضيافة أو طيب أو ثياب خز، وهو وعياله يحتاجون إليه، فهو سرف محرم. ومثله في الموسرين لا يقبح ولا يكون سرفا، وتدل على أن الأشياء على الإباحة. والعقل يدل على ذلك؛ لأنه تعالى خلقه لمنافعهم، والسمع ورد مؤكدا، ولذلك قال: (من حرم) مطالبا بدليل سمعي. اه. وقد روى الإمام أحمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
" كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا من غير مخيلة ولا سرف، فإن الله يحب أن يرى نعمته على عبده "
وأخرج النسائي وابن ماجة نحوه.
وقال البخاري: قال ابن عباس: كل ما شئت والبس ما شئت، ما أخطأتك اثنتان: سرف أو مخيلة. ورواه ابن جرير عنه أيضا بلفظ: أحل الله الأكل والشرب ما لم يكن سرفا أو مخيلة. قال الشهاب: هذا (أي ما قاله ابن عباس) لا ينافي ما ذكره الثعالبي وغيره من الأدباء؛ أنه ينبغي للإنسان أن يأكل ما يشتهي، ويلبس ما يشتهيه الناس، كما قيل:
نصيحة نصيحة
قالت بها الأكياس
كل ما اشتهيت والبس
ن ما اشتهته الناس
فإنه لترك ما لم يعتد بين الناس، وهذا لإباحة كل ما اعتادوه. و (المخيلة: الكبر). و (ما) دوامية زمانية. و (أخطأتك) من قولهم: أخطأ فلان كذا، إذا عدمه. وفي الأساس: من المجاز لن يخطئك ما كتب لك، وأخطأ المطر الأرض: لم يصبها، وتخاطأته النبل تجاوزته وتخطأته. انتهى.
وفي قوله تعالى: ﴿ إنه لا يحب المسرفين ﴾ وعيد وتهديد لمن أسرف في هذه الأشياء، لأن من لم يحبه الله لم يرض عنه.
السادس: تناقل المفسرون وغيرهم ما قيل إن قوله تعالى: ﴿ وكلوا واشربوا ﴾ الآية - جمع الطب كله. وأصله ما حكاه الزمخشري والكرماني في عجائبه؛ أن الرشيد كان له طبيب نصراني حاذق، فقال لعلي بن الحسين بن واقد: ليس في كتابكم من علم الطب شيء والعلم علمان: علم الأبدان، وعلم الأديان. فقال له: قد جمع الله الطب كله في نصف آية من كتابه. قال: وما هي؟ قال: قوله تعالى: ﴿ وكلوا واشربوا ولا تسرفوا ﴾ ، فقال النصراني: ولا يؤثر من رسولكم شيء في الطب! فقال: قد جمع رسولنا صلى الله عليه وسلم الطب في ألفاظ يسيرة، قال: وما هي؟ قال قوله:
" المعدة بيت الداء، والحمية رأس الدواء، وأعط كل بدن ما عودته "
فقال النصراني: ما ترك كتابكم ولا نبيكم لجالينوس طبا.
قال في (العناية): وترك بعضهم تمام القصة؛ لأن في ثبوت هذا الحديث كلاما للمحدثين. وفي شعب الإيمان للبيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" المعدة حوض البدن، والعروق إليها واردة، فإذا صحت المعدة، صدرت العروق بالصحة، وإذا فسدت المعدة، صدرت العروق بالسقم "
انتهى.
أقول: إن صحت هذه الحكاية، فصواب جواب النصراني في سؤاله الثاني بالتفنيد والفرية، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أثر عنه من بدائع الطب وأصناف العلاج، ما لم يؤثر عن نبي قط، وللمحدثين، في عهد السلف منه قسم كبير في جوامعهم ومسانيدهم. وأما أعلام المتأخرين فقد اضطرهم وفرة ما روي في ذلك إلى تدوينه في أسفار مطولة ومختصرة بعنوان (الطب النبوي).
وقد بين الإمام ابن القيم: عليه الرحمة، اشتمال التنزيل العزيز على أصول الطب، والسنة المطهرة على بدائعه، في كتابه (زاد المعاد)، بيانا يدهش الألباب، وفوق كل ذي علم عليم، قال عليه الرضوان في كتابه (زاد المعاد في هدي خير العباد):
فصل
قد أتينا على جمل من هديه صلى الله عليه وسلم في المغازي والسير والبعوث والسرايا والرسائل والكتب التي كتب بها إلى الملوك ونوابهم، ونحن نتبع ذلك بذكر فصول نافعة في هديه في الطب الذي تطبب به، ووصفه لغيره، ونبين ما فيه من الحكمة التي يعجز أكثر عقول أكثر الأطباء عن الوصول إليها، وأن نسبة طبهم إليها كنسبة طب العجائز إلى طبهم، فنحن نقول وبالله المستعان: المرض نوعان: مرض القلوب، ومرض الأبدان. وهما مذكوران في القرآن.