قال السيلكوتي: ولا يخفى عليك تقسيم الأمر إلى أمرين، إنما يستقيم إذا كان قوله تعالى:
إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له كن فيكون
[يس: 82] على ظاهره، كما ذهب إليه البعض. وأما إذا كان عبارة عن الإيجاد من غير أن يتعلق بها خطاب، كما ذهب إليه الأشعري ومن تبعه، فلا. انتهى - والمسألة مبسوطة في محالها المعروفة.
الثاني: قوله تعالى: ﴿ قل إن الله لا يأمر بالفحشآء ﴾ جواب عن شبهتهم الثانية. ولم يذكر جوابا عن الأولى، قال الإمام: لأنها إشارة إلى محض التقليد. وقد تقرر في المعقول أنه طريقة فاسدة، لأن التقليد حاصل في الأديان المتناقضة. فلو كان التقليد حقا، لزم القول بحقية الأديان المتناقضة؛ فلما كان فساده ظاهرا، لم يذكره تعالى.
الثالث: قال في (فتح البيان): في هذه الآية الشريفة أعظم زاجر، وأبلغ واعظ، للمقلدة الذين يتبعون آباءهم في المذاهب المخالفة للحق، فإن ذلك من الاقتداء بأهل الكفر، لا بأهل الحق، فإنهم القائلون:
إنا وجدنآ ءابآءنا على أمة وإنا على ءاثارهم مقتدون
[الزخرف: 23] والقائلون: ﴿ وجدنا عليهآ آباءنا والله أمرنا بها ﴾. والمقلد، لولا اغتراره بكونه وجد آباءه على ذلك المذهب، مع اعتقاده بأنه الذي أمر الله به، وأنه الحق - لم يبق عليه. وهذه الخصلة هي التي بقي بها اليهودي على يهوديته، والنصراني على نصرانيته، والمبتدع على بدعته، فما أبقاهم على هذه الضلالات إلا كونهم وجدوا آباءهم في اليهودية والنصرانية والبدعة، وأحسنوا الظن بهم بأن ما هم عليه هو الحق الذي أمر الله به، ولم ينظروا لأنفسهم ولا طلبوا الحق كما يجب، ولا بحثوا عن الله كما ينبغي، وهذا هو التقليد البحت، القصور الخالص. ثم قال: وإن من أعجب الغفلة وأعظم الذهول عن الحق، اختيار المقلدة لآراء الرجال، مع وجود كتاب الله ووجود سنة رسوله بين ظهرانيهم، ووجود من يأخذونهما عنه بين أيديهم، ووجود آلة الفهم لديهم، وملكة العقل عندهم - انتهى.
ولما نفى ما تقولوه عليه وأخبر أنه لا يأمر بالفحشاء، بين ما أمر به بقوله تعالى:
﴿ قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين... ﴾.