تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم "

رواه مسلم.

تنبيه

روى ابن جرير بإسناد صحيح عن الحسن في قوله تعالى: ﴿ خلقتني من نار وخلقته من طين ﴾ قال: قال إبليس وهو أول من قاس. وأخرج أيضا بإسناد صحيح عن ابن سيرين قال: أول من قاس إبليس، وما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس. ولذا احتج بهذه الآية من ذهب إلى عدم جواز تخصيص النص بالقياس، وإلا لما استوجب إبليس هذا الذم الشديد.

قال الرازي: بيان الملازمة أن قوله تعالى للملائكة: ﴿ اسجدوا لأدم ﴾ خطاب عام يتناول جميع الملائكة، ثم إن إبليس أخرج نفسه من هذا العموم بالقياس، وهو أنه مخلوق من النار، والنار أشرف من الطين، ومن كان أصله أشرف فهو أشرف، والأشرف لا يجوز أن يؤمر بخدمة الأدنى، والدليل عليه أن هذا الحكم ثابت في جميع النظائر، ولا معنى للقياس إلا ذلك. وقد ثبت أن إبليس لما خصص العموم بهذا القياس استحق الذم، وما ذاك إلا لعدم جوازه، وأيضا ففي الآية دلالة على ذلك من وجه آخر: وذلك لأن إبليس لما ذكر هذا القياس قال تعالى: ﴿ فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها ﴾ فوصفه الله تعالى بكونه متكبرا، بعد أن حكى عنه ذلك القياس الذي يوجب تخصيص النص، وهذا يقتضي أن من حاول تخصيص عموم النص بالقياس تكبر على الله. ودلت هذه الآية على أن التكبر عليه تعالى يوجب العقاب الشديد، والإخراج من زمرة الأولياء. ثبت أن تخصيص النص بالقياس لا يجوز، وهذا هو المراد مما نقله الواحدي في (البسيط) عن ابن عباس أنه قال: كانت الطاعة أولى بإبليس من القياس، فعصى ربه وقاس، وأول من قاس إبليس فكفر بقياسه، فمن قاس الدين بشيء من رأيه، قرنه الله مع إبليس - هذا ما نقله الواحدي في (البسيط) عن ابن عباس، وأفاده الرازي.

وقد روي عن السلف آثار كثيرة في ذم القياس، منها ما تقدم عن الحسن وابن سيرين وابن عباس. وعن مسروق قال: لا أقيس شيئا بشيء، فتزل قدمي بعد ثبوتها. وعن الشعبي: إياكم والقياس، وإنكم إن أخذتم به أحللتم الحرام، وحرمتم الحلال، ولأن أتغني غنية، أحب إلي من أن أقول في شيء برأيي. وقد ذكر الحافظ ابن عبد البر رحمه الله من هذا المعنى آثارا وافرة في (جامع بيان العلم وفضله) وقال: احتج من نفى القياس بهذه الآثار ومثلها، وقالوا في حديث معاذ: إن معناه أن يجتهد رأيه على الكتاب والسنة، وتكلم داود في إسناد حديث معاذ، ورده ودفعه من أجل أنه عن أصحاب معاذ، ولم يسموا، قال الحافظ ابن عبد البر: وحديث معاذ صحيح مشهور، رواه الأئمة العدول، وهو أصل في الاجتهاد والقياس على الأصول.

ثم قال: وسائر الفقهاء قالوا في هذه الآثار وما كان مثلها في ذم القياس: إنه القياس على غير أصل، أو القياس الذي يرد به أصل، والقول في دين الله بالظن، ألا ترى إلى قول من قال منهم: أول من قاس إبليس؟ لأن إبليس رد أصل العلم بالرأي الفاسد، والقياس لا يجوز عند أحد ممن قال به إلا في رد الفروع إلى أصولها، لا في رد الأصول بالرأي والظن. وإذا صح النص من الكتاب والأثر، بطل القياس

وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة...

[الأحزاب: 36] الآية، - وأي أصل أقوى من أمر الله تعالى لإبليس بالسجود، وهو العالم بما خلق منه آدم، وما خلق منه إبليس، ثم أمره بالسجود له فأبى واستكبر لعلة ليست بمانعة من أن يأمره الله بما يشاء، فهذا ومثله لا يحل ولا يجوز، وأما القياس على الأصول، والحكم للشيء بحكم نظيره، فهذا ما لا يختلف فيه أحد من السلف، بل كل من روي عنه ذم القياس قد وجد له القياس الصحيح منصوصا، لا يدفع هذا إلا جاهل أو متجاهل، مخالف للسلف في الأحكام.

محاسن التأويل · الصفحة ١١٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ١١٣٥