58.5-6
قوله تعالى: ﴿ إن الذين يحآدون الله ورسوله كبتوا كما كبت الذين من قبلهم ﴾ معناه: إن الذين يخالفون الله ورسوله في الدين، ويصيرون في حد غير الحد الذي فيه أولياء الله، أذلوا وأخزوا بالعذاب كما أذل الذين أشركوا من قبل أهل مكة، من الذين خالفوا الأنبياء صلوات الله عليهم.
والكبت في اللغة: الكب، ومنه كبت الله عدوك. وقيل: معناه: كبدوا أي ضربوا على أكبادهم، فقلبت الدال تاء.
قوله تعالى: ﴿ وقد أنزلنآ آيات بينات ﴾؛ أي فرائض معروفة، ﴿ وللكافرين عذاب مهين ﴾؛ أي ولمن لم يعمل بها ولم يصدق بها عذاب مهين. ثم بين ذلك العذاب فقال تعالى: ﴿ يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما عملوا ﴾؛ ويجزيهم عليه، وقوله تعالى: ﴿ أحصاه الله ونسوه والله على كل شيء ﴾؛ مما يجب لهم وعليهم، ﴿ شهيد ﴾؛ عالم.
58.7-8
قوله تعالى: ﴿ ألم تر أن الله يعلم ما في السموت وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ﴾؛ معناه: إن الله يعلم بكل ما في السماوات وكل ما في الأرض مما ظهر للعباد،
وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السمآء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين
[يونس: 61].
وقوله تعالى: ﴿ ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ﴾ يعني المسار؛ ما تناجي به صاحبك من شيء إلا هو رابعهم بالعلم. يعني نجواهم معلومة عنده كما تكون معلومة عند الرابع الذي هم معهم، ﴿ ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ﴾؛ ولا أقل من ثلاثة ولا أكثر من الخمسة إلا وهو عالم بهم وقادر عليهم في أي موضع كانوا، ﴿ ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة ﴾؛ عند الجزاء والحساب، ﴿ إن الله بكل شيء عليم ﴾؛ وهذه الآية نزلت في اليهود والمنافقين لما أعياهم الإسلام وظهوره وجعلوا يتناجون فيما بينهم فيوهمون المؤمنين أنهم يتناجون فيما يسوءهم.
وكانوا إذا خرجت سرية من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأى هؤلاء رجالا ممن خرج لهم في السرية صديق أو قريب تناجوا فيما بينهم ليظن الرجل أنه حدث بصاحبه حادث فيحزن عليه لذلك. فلما كثر ذلك وطال شكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنهاهم عن المناجاة دون المسلمين، فلم ينتهوا وعادوا إلى مناجاتهم، فأنزل الله:
قوله تعالى: ﴿ ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه ويتناجون بالإثم والعدوان ومعصيت الرسول ﴾؛ معناه: ألم تر إلى هؤلاء الذين نهاهم الله عن مناجاة بعضهم بعضا دون المؤمنين في الآية التي قبل هذه، ثم عادوا إليها مغايظة لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتشاورون فيما بينهم بالكذب والاعتداء، ويوصي بعضهم بعضا بمخالفة النبي صلى الله عليه وسلم، ﴿ وإذا جآءوك ﴾؛ يا محمد، ﴿ حيوك بما لم يحيك به ﴾؛ أي سلموا عليك بما لم يسلم به الله عليك.
" وذلك أن اليهود دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: السام عليك! وكانت عائشة من وراء ستر فلعنتهم، فقال صلى الله عليه وسلم: " مهلا يا عائشة " فقالت: أما سمعت ما قالوا؟ قال: " أوما سمعت كيف أجبتهم؟ " ثم قال: " إذا سلم عليكم أحد من أهل الكتاب فقولوا: عليك ما قلت "
والسام هو الموت.
قوله تعالى: ﴿ ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول ﴾؛ معناه: أنهم كانوا يقولون في أنفسهم: ألا ينزل الله العذاب بنا بما نقول لنبيه إن كان نبيا كما يزعم، فلو كان محمد نبيا لعذبنا الله بما نقول، فقال الله تعالى: ﴿ حسبهم جهنم يصلونها ﴾؛ أي كافيهم جهنم عذابا لهم يلزمونها ويقاسون حرها، ﴿ فبئس المصير ﴾؛ أي فبئس المرجع يرجعون إليه.