هذه الضلالة بين مسلمي الجزائر وسائر إفريقية حتى تسنى لمن تلبس بالإسلام
وتعمم بعمائم شيوخ الطريقة (من قومه) أن يبثوا فيهم وجوب الرضا بسلطتهم
وتحريم التبرم بهم والكراهة لشيء من أحكامهم وأعمالهم بشبهة أنه يتضمن
الاعتراض على الله والكراهة لقضائه وقدره بزعمهم! وأنى لأولئك المحرومين من
علوم الدين والدنيا أن يميزوا بين الرضا من الله تعالى وعدم الاعتراض عليه،
وبين ما أوجبه من عدم الرضا بالمقضي والمقدور نفسه إذا كان ضارا أو مخالفا
للشرع، ومن وجوب مقاومته بما يعلم من سنن الله تعالى وأقداره؟ ومثاله المرض:
لا نعترض على الله تعالى إذا مرضنا ولا نسخط على تقديره إصابة من يتعرض
لأسباب الأمراض فيها، ولكن يجب أن نكره المرض وأن نقاومه بالدواء والمعالجة
بعد وقوعه، وباتقائه قبل وقوعه، كما فر جمهور الصحابة من الشام. ولم يدخلوا
البلد الذي وقع فيه الوباء منها بالإجماع فثبت بهذا أن ما ينكره على مسلمي إفريقية
وأمثالهم إنما هو مخالفة قواعد الإسلام لا الاهتداء بها.
وإننا نذكر للمفتونين بفلسفة رينان والمشيدين بفلسفته من قومنا بعض الشواهد
من نصوص القرآن على أن مشيئة الله التشريعية لا تقضي بأن يكون السلطان في
الدنيا لمن لا أهلية له ولا استحقاق ولا مزية في الفضل، بل الأمر بالضد.
(أ) أخبرنا الله تعالى في سورة البقرة أنه وعد نبيه وخليله إبراهيم صلى
الله عليه وسلم بأنه يجعله إماما للناس فسأله إبراهيم أن يجعل من ذريته أئمة مثله
فأجابه تعالى بقوله: ﴿لا ينال عهدي الظالمين﴾ (البقرة: 124) أفليس هذا نصا
صريحا في أن الإمامة والسلطان في الناس لا يكونان عهدا من الله تعالى لأحد من
الظالمين، وإن كانوا من ذرية الأنبياء المرسلين؟ بلى! وقد فهم هذا الحكم من الآية
أئمة المفسرين، فقالوا: إن الآية تدل على أن الظالم لا يصح في دين الله أن يكون
إماما للناس في أمور دينهم ولا أمور دنياهم، أي لا يكون خليفة ولا سلطانا ولا
أميرا، وقد ذكرنا بعض أقوالهم في فاتحة كتاب الخلافة وفصلنا المسألة فيه.
(ب) قال تعالى في الآيات التي أذن فيها للمسلمين بأن يقاتلوا من قاتلوهم
من أهل مكة وأخرجوهم من ديارهم بغير حق، بل لأجل توحيدهم لله عز وجل:
{الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن
المنكر} (الحج: 41) فالدين الذي يشترط على أهله في المدافعة عن أنفسهم
وإعطائهم السلطان في الأرض أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، هل يقال:
إنه يعطي السلطان لمن شاء بدون تهذيب ولا استحقاق؟ والآيات والأحاديث في هذا
المعنى كثيرة.
(ج) قال الله تعالى: {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض
يرثها عبادي الصالحون} (الأنبياء: 105) ومعلوم أن الصلاح ضد الفساد. وقد
ذم الفساد والإفساد في الأرض من الملوك وغيرهم وتوعدهم في عشرات من الآيات
في سور كثيرة. قال: {أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في
الأرض أم نجعل المتقين كالفجار} (ص: 28) وهذا دليل على أن المراد
بالصالحات أعم من العبادات البدنية؛ لأنه مقابل لكل ما فيه إفساد في الأرض،
وهو يشمل إفساد النبات والحيوان والإنسان، بأي طريق وأي وسيلة وكل شكل من
أشكال الفساد، كما أن إرث الأرض فيها عام يشمل الدنيا والآخرة، فلا يرث
الأرض في حكم الله ومقتضى دينه إلا الصالح، وخص الأرض بعض المفسرين
هنا بالمقدسة وبعضهم بالجنة، ويدل على إرث الملك والسلطان في الأرض المقدسة
أو مطلقا آية الشاهد التالي وهو:
(د) قال تعالى: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم
في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم} (النور: 55) الآية.
(ه) قال تعالى: ﴿وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون﴾ (هود: 117) فسر بعضهم الظلم هنا بالشرك أخذا من قوله تعالى: {إن الشرك