تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومستقر النبوة وموضع خلافة النبوة، وبها انعقدت بيعة الخلفاء الراشدين لأبي بكر

وعثمان وعمر وعلي، وإن كان (علي) قد خرج منها بعد أن بويع له فيها. ومن

الممتنع أنه قد كان بمكة في زمنهم من يكون أفضل منهم.

ثم إن الإسلام انتشر في مشارق الأرض ومغاربها وكان في المؤمنين في كل

وقت من أولياء الله المتقين بل من الصديقين السابقين المقربين من لا يحصي عدده

إلا رب العالمين، لا يحصون بثلاثمائة ولا بثلاثة آلاف، ولما انقرضت القرون

الثلاثة الفاضلة كان أيضا في القرون الحالية من أولياء الله المتقين بل من السابقين

من جعل لهم عددا محصورا لازما فهو من المتظلمين (؟) عمدا أو خطأ.

وأما لفظ الغوث والغياث فلا يستحقه إلا الله تعالى فهو غياث المستغيثين لا

يجوز لأحد الاستغاثة بغيره لا بملك مقرب، ولا نبي مرسل، ومن زعم أن أهل

الأرض يرفعون حوائجهم التي يطلبون بها كشف الضر عنهم ونزول الرحمة بهم،

إلى الثلاثمائة، والثلاثمائة إلى السبعين، والسبعين إلى الأربعين والأربعين إلى

السبعة، والسبعة إلى الأربعة، والأربعة إلى الغوث - فهو كاذب ضال مشرك، فقد

كان المشركون كما أخبر الله عنهم بقوله: {وإذا مسكم الضر في البحر ضل من

تدعون إلا إياه} (الإسراء: 67) وقال: ﴿أمن يجيب المضطر إذا دعاه﴾ (النمل: 62) فكيف يكون المؤمنون يرفعون إليه حوائجهم بعدة وسائط من

الحجاب؟! وهو القائل تعالى: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة

الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون} (البقرة:

186) .

وقال الخليل عليه السلام داعيا لأهل مكة: {ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد

غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي

إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى

على الله من شيء في الأرض ولا في السماء * الحمد لله الذي وهب لي على الكبر

إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء} (إبراهيم: 37 - 39) وقال النبي صلى

الله عليه وسلم لأصحابه لما رفعوا أصواتهم بالتلبية: (أيها الناس أربعوا على أنفسكم

فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا وإنما تدعون سميعا قريبا إن الذي تدعونه أقرب إلى

أحدكم من عنق راحته) .

وهذا باب واسع وقد علم المسلمون كلهم أنه لم يكن عامة المسلمين ولا

مشايخهم المعروفون يرفعون إلى الله حوائجهم لا ظاهرا ولا باطنا بهذه الوسائط

والحجاب، فتعالى الله عن تشبيهه بالمخلوقين من الملوك، وسائر ما يقوله الظالمون

علوا كبيرا.

وهذا من جنس دعوى الرافضة أنه لا بد في كل زمان من إمام معصوم يكون

حجة الله على المكلفين لا يتم الإيمان إلا به، ثم مع هذا يقولون: إنه كان صبيا دخل

السرداب من أكثر من أربعمائة وأربعين سنة، ولا يعرف له عين ولا أثر ولا يدرك

له حس ولا خبر.

وهؤلاء الذين يدعون هذه المراتب فيهم معناها للرافضة من بعض الوجوه،

بل هذه الترتيب والاعتداد يشبه من بعض الوجوه ترتيب الإسماعيلية والنصيرية

ونحوهم في السابق والثاني، والناطق والأساس والجسد وغير ذلك من الترتيب

الذي ما أنزل الله به من سلطان.

وأما الأوتاد فقد يوجد في كلام بعضهم أنه يقول فلان من الأوتاد، ومعنى ذلك أن

الله يثبت به من الدين والإيمان في قلوب من يهديهم الله به كما يثبت الأرض

بأوتادها، وهذا المعنى ثابت لكل من كان بهذه الصفة، فكل من حصل به تثبيت العلم

والإيمان في جمهور الناس كان بمنزلة الأوتاد العظيمة والجبال الكبيرة، ومن كان

دونه كان بحسبه، وليس ذلك محصورا في أربعة ولا أقل ولا أكثر، بل جعل هؤلاء

أربعة مضاهاة لقول المنجمين في أوتاد الأرض.

(فصل) وأما القطب فيوجد في كلامهم أيضا: فلان من الأقطاب وفلان قطب،

فكل من دار عليه أمر من أمور الدين والدنيا باطنا أو ظاهرا فهو قطب ذلك الأمر

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ٢٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ٢٤٢