تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

معصومون فيما يبلغون عن الله تعالى أن يستقر فيه شيء من إلقاء الشيطان،

وغيرهم لا يجب عصمته من ذلك، وإن كان من أولياء الله المتقين، فليس من

شرط أولياء الله المتقين أن لا يكونوا مخطئين في بعض الأشياء خطأ مغفورا لهم،

بل ولا من شرطهم ترك الصغائر مطلقا، بل ولا من شرطهم ترك الكبائر أو الكفر

الذي تعقبه التوبة، وقد قال الله تعالى: {والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم

المتقون * لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين * ليكفر الله عنهم أسوأ

الذي عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون} (الزمر: 33-35) فقد

وصفهم الله تعالى بأنهم هم المتقون؛ والمتقون هم أولياء الله، ومع هذا بإجزائه،

ويكفر عنهم أسوأ الذي عملوا [4] ، وهذا أمر متفق عليه بين أهل العلم والإيمان،

وإنما يخالف في ذلك الغالية من الرافضة وأشباه الرافضة من الغالية في بعض

المشايخ، ومن يعتقدون أنه من الأولياء، فالرافضة تزعم أن الاثني عشر

معصومون من الخطأ والذنب، ويرون هذا من أصول دينهم، والغالية في المشايخ

قد يقولون: إن الولي محفوظ والنبي معصوم، وكثير منهم لم يقل ذلك بلسانه،

فحاله حال من يرى أن الشيخ أو الولي لا يخطئ ولا يذنب، وقد يبلغ الغلو

بالطائفتين إلى أن يجعلوا بعض من غلوا فيه بمنزلة النبي أو أفضل منه، وإن

زادوا الأمر جعلوا له نوعا من الإلهية، وكل هذا من الضلالات الجاهلية المضاهئة

للضلالات النصرانية، فإن في النصارى من الغلو في المسيح والرهبان والأحبار ما

ذمهم الله عليه في القرآن وجعل ذلك عبرة لنا لئلا نسلك سبيلهم؛ ولهذا قال سيد ولد

آدم: (لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم فإنما أنا عبد فقولوا عبد

الله ورسوله) .

(فصل) وأما الفقراء الذين ذكرهم الله تعالى في كتابه فهم صنفان: مستحقو

الصدقات، ومستحقو الفيء، أما المستحقون للصدقات فقد ذكرهم الله في قوله:

﴿إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم﴾ (البقرة:

271) وفي قوله: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين ... ﴾ (التوبة: 60) وإذ

ذكر في القرآن اسم المسكين وحده أو الفقير وحده كقوله ﴿إطعام عشرة مساكين﴾ (المائدة: 89) فهما شيء واحد، وإذا ذكرا جميعها فهما صنفان.

والمقصود بهما أهل الحاجة، وهم الذين لا يجدون كفايتهم لا من مسألة ولا

من كسب يقدرون عليه، فمن كان كذلك من المسلمين استحق الأخذ من صدقات

المسلمين المفروضة والموقوفة والمنذورة والموصى بها، وبين الفقهاء نزاع في

بعض فروع هذه المسائل معروفة عند أهل العلم.

وضد هؤلاء: الأغنياء الذين تحرم عليهم الصدقة؛ ثم هم نوعان، نوع تجب

عليه الزكاة، وإن كانت الزكاة تجب على من قد تباح له عند جمهور العلماء، ونوع

لا تجب عليه، وكل منهما قد يكون له فضل عن نفقاته الواجبة، وهم الذين قال الله

فيهم: ﴿ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو﴾ (البقرة: 219) وقد لا يكون له فضل.

وهؤلاء الذين رزقهم قوت وكفاف فهم أغنياء باعتبار غناهم عن الناس، وهم

فقراء باعتبار أنه ليس لهم فضول يتصدقون بها، وإنما يسبق الفقراء الأغنياء إلى

الجنة بنصف يوم؛ لعدم فضول الأموال التي يحاسبون على مخارجها ومصارفها،

فمن لم يكن له فضل كان من هؤلاء، وإن لم يكن من أهل الزكاة.

ثم أرباب الفضول إن كانوا محسنين في فضول أموالهم فقد يكونون بعد دخول

الجنة أرفع درجة من كثير من الفقراء الذين سبقوهم، كما يقدم أغنياء الأنبياء

والصديقين عن السابقين وغيرهم على الفقراء الذين دونهم. ومن هنا قال الفقراء:

ذهب أهل الدثور بالأجور، وقيل لما ساواهم الأغنياء في العبادات البدنية وامتازوا

عنهم بالعبادات المالية: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فهذا هو الفقير في عرف

الكتاب والسنة.

وقد يكون الفقراء سابقين، وقد يكونون مقتصدين ويكونون ظالمي أنفسهم

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ٢٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ٢٤٠