الأسباب المشتركة بين الخلق - فهو عبادة له وإلا فلا، فالفرق جلي بين من يدعو
ميتا لشفاء مرضه أو مرض ولده مثلا أو للانتقام من عدوه، أو ينذر لأجل ذلك
وبين من يدعو الطبيب للمعالجة أو يشكو إلى الحاكم ظالمه، وسواء اعتقد من يدعو
الميت أنه يفعل ذلك وحده بقدرته الذاتية أو اعتقد أنه يفعل ذلك بتأثيره في علم الله
تعالى وإرادته بأن يكون واسطة وسببا لأن يفعل سبحانه ما لم يكن ليفعله لولاه،
وذلك يقتضي تأثير الحادث في القديم وتعليل أفعاله تعالى بالحوادث، وكون هذا
الفعل لم يقع إلا باشتراك سلطتين غيبيتين هما فوق سنن الخالق في الأسباب
والمسببات - هو صورة هذا الوجه في المسألة، ولم يكن مشركو العرب وأمثالهم
يقولون بمساواة آلهتهم لرب العالمين في شيء بل كانوا يقولون: إنه ربهم وخالقهم،
وهم شفعاء عنده فقط. على أن هذا التحليل لا يخطر في بال أكثر الذين يدعون
هؤلاء الموتى وينذرون لهم ويشدون الرحال إلى قبورهم خاشعين متضرعين،
تاركين للصلاة مقترضين بالربا مرتكبين لكثير من المنكرات إرضاء لهم، لأجل أن
يقضوا لهم حاجتهم. وإنما هو تأويل من تلقوا عن شيوخهم كتبا في العقائد قررت
فيها وحدانية الأفعال لله تعالى بما ينافي ما تلقوه ورسخ في أنفسهم ممن نشأوا بينهم
من تصرف بعض هؤلاء الشيوخ الميتين في الكون - فاخترعوا هذه التأويلات
للجمع بين العقيدتين.
ولئن سألتهم ليقولن: إنه ليس لهم أدنى تأثير في إرادة الله تعالى ولا في
أفعاله وإنما هم أسباب خفية يخلق الله الأشياء عندها لا بها، كما يقول أكثرهم في
الأسباب الجلية العادية كإحراق النار وإرواء الماء، ولو كان هؤلاء المفتونون
بالقبور يعتقدون أنه لا تأثير لأصحابها ألبتة لما وجد شيء من هذه الخرافات والبدع
التي أفسدت الأمة ولوقف الناس في زيارة القبور عند هداية السنة، يزورونها
لتذكرة الآخرة ويدعون لأربابها ولا يدعونهم، ويشفعون لهم بالدعاء ولا يستشفعون
بهم؛ لأن هذا هو الوارد في السنة. على أن الأسباب الظاهرة من عالم الشهادة قد
علم كونها أسبابا بالمشاهدة والتجربة المطردة. وأما تصرف الموتى فهو أمر غيبي
لم يثبت بالمشاهدة ولا بالتجربة المطردة، ولا جاءنا الوحي من عالم الغيب والشهادة
بأنه جعلهم أسبابا لشيء من ذلك، بل كل من التجربة الدقيقة في الأمم المختلفة ومن
الوحي الصادق يدل على خلاف ذلك.
أما التجربة فإننا قد علمنا من تاريخ الأمم أن هذا الاعتقاد إنما يفشو ويروج
فيها في زمن الجهل والانحطاط فتكون به أشقى الأمم وأشدها خسارا في دينها
ودنياها وصحتها ومعيشتها، فالمسلمون لم يكونوا كذلك في خير القرون التي فتحوا
بها الممالك ودونوا العلوم وأسسوا الحضارة، فلم يرو لنا أصحاب الصحاح ولا
السنن أن الصحابة كانوا يدعون النبي صلى الله عليه وسلم عند قبره الشريف ولا
عند اشتداد الخطوب في الحروب ولا في حالة المرض لأجل النصر والشفاء، ولا
روى التاريخ لنا ذلك عن التابعين ولا تابعيهم من علماء الأمصار كأئمة الفقه الأربعة
وأئمة آل البيت النبوي رضي الله عنهم أجمعين. بل رووا لنا أن النبي صلى الله
عليه وسلم وأصحابه كانوا ينوطون الأشياء بأسبابها وأنهم لما قصروا فيها يوم أحد
انكسروا ونال المشركون منهم حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم شج رأسه
الشريف وكسرت سنه. ولما تعجب الصحابة وتساءلوا في ذلك أنزل الله تعالى:
﴿أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم﴾ (آل عمران: 165) .
وقد فشت هذه البدع في الأمم الوثنية فالكتابية من قبلنا، فكان فشوها فيهم من
أسباب ضعفهم والعون لسلفنا على السيادة عليهم، فلما ضعفت هذه العقائد الخرافية
فيهم بارتقائهم في علوم الكون وسنن الله تعالى في الأسباب والمسببات، وقل فيهم
من يعتمد في إصلاح حال الأفراد والجماعات على تصرف الأولياء الأحياء