ساغ لكم هذا وحدكم فمن أنتم؟ وبأي سلطان استبدادي تحكمون، وحكومتكم أباحت
الطعن في دينكم وكتابكم ونبيكم وأنتم راضون ساكتون؟ إن ما حاولتم لا يتم إلا
لحكومة شخصية مستبدة كحكومة أسبانية في القرون الوسطى وحكومة الحجاز في
هذا العصر، فإنها هي التي تمنع أمثال هذه الكتب النافعة، وأما بلادكم فلا يفوز فيها
بعد اليوم إلا ذو العلم الصحيح فتعلموا، وإلا ضاع دينكم ودنياكم.
***
(تظاهر العقل والشرع)
اعلم أن العقل لن يهتدي إلا بالشرع والشرع لن يتبين إلا بالعقل والعقل كالأس،
والشرع كالبناء، ولم يثبت بناء ما لم يكن أس ولم يغن أس ما لم يكن بناء،
وأيضا العقل كالبصر والشرع كالشعاع ولن ينفع البصر ما لم يكن شعاع من خارج
ولن يغني الشعاع ما لم يكن بصر. فلهذا قال الله تعالى: {قد جاءكم رسولنا يبين
لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب
مبين * يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور
بإذنه} (المائدة: 15-16) وأيضا فالعقل كالسراج والشرع كالزيت الذي يمده،
فما لم يكن زيت لم يشعل السراج، وما لم يكن سراج لم يضئ الزيت، وعلى هذا
نبه بقوله تعالى: ﴿الله نور السموات والأرض مثل نوره﴾ (النور: 35) إلى
قوله: ﴿نور على نور﴾ (النور: 35) وأيضا فالشرع عقل من خارج، والعقل
شرع من داخل وهما يتعاضدان بل يتحدان ولكون الشرع عقلا من خارج سلب الله
اسم العقل من الكافر في غير موضع من القرآن نحو: {صم بكم عمي فهم لا
يعقلون} (البقرة: 171) ولكون العقل شرعا من داخل قال تعالى في صفة العقل:
{فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك
الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون} (الروم: 30) فسمي العقل دينا ولكونهما
متحدين قال: ﴿نور على نور﴾ (النور: 35) أي نور العقل ونور الشرع ثم
قال: ﴿يهدي الله لنوره من يشاء﴾ (النور: 35) فجعلهما نورا واحدا، فالعقل
إذا فقد الشرع عجز عن أكثر الأمور كما تعجز العين عند فقد النور.
واعلم أن العقل بنفسه قليل الغناء لا يكاد يتوصل إلى معرفة كليات الشيء
دون جزئياته نحو أنه يعلم جملة حسن اعتقاد العقل (؟) وقول الصدق وتعاطي
الجميل وحسن استعمال المعدلة وملازمة العفة، ونحو ذلك من غير أن يعرف ذلك
في شيء شيء، والشرع يعرف كليات الشيء وجزئياته ويبين ما الذي يجب أن
يعتقد في شيء شيء، وما الذي هو معدلة في شيء شيء، ولا يعرف العقل مثلا أن
لحم الخنزير والخمر محرمان وأنه يجب أن يتحاشى من تناول الطعام في وقت
معلوم، وأن لا ينكح ذوات المحارم، وأنه لا يجامع المرأة في حال الحيض، فإن
أشباه ذلك لا سبيل إليها إلا بالشرع، فالشرع نظام الاعتقادات الصحيحة، والأفعال
المستقيمة والدال على مصالح الدنيا والآخرة من عدل عنه فقد ضل سواء السبيل؛
ولأجل أن لا سبيل للعقل إلى معرفة ذلك قال تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث
رسولا} (الإسراء: 15) وقال: {ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا
لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى} (طه: 134)
وإلى العقل والشرع أشار بالفضل والرحمة بقوله: {ولولا فضل الله عليكم
ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا} (النساء: 83) وعني بالقليل المصطفين
الأخيار ويصدقه ما روى عنه الإمام عليه أفضل السلام: العقل عقلان: مطبوع
ومسموع، ولا ينفع المسموع ما لم يكن مطبوع كما لا ينفع نور الشمس ونور العين
ممنوع، وقد ظهر مما ذكر أن أصحاب العقل قليل جدا، وأن من لم يهتد لنور
الشرع ولم يطابقه عقله فليس من ذوي العقول في شيء، وأن العقل فضل من الله
ونور كما أن الشرع رحمة من الله وهدى، وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء
ويهدي الله لنوره من يشاء ﴿ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور﴾ (النور: