أن المسلمين كانوا والحكومة في أيديهم يجتهدون في استمالة النصارى وإشراكهم في
كل عمل ويودون إعطاءهم فوق ما يريدون بحسب النسبة العددية وقد جرت
الأحزاب السياسية على إزالة الصبغة الإسلامية من الحكومة إرضاء لهم، وظهر
أثر ذلك في المؤتمر السوري والقانون الذي وضعه للحكومة السورية العامة المتحدة
فأنا أذكر هذا وذاك لا لتسجيل الذنب الأكبر على النصارى وتصغير ذنب المسلمين
أو تبرئتهم بل لأثبت به إخلاصهم في الميل إلى الاتفاق.
وقد كتبت وأنا في بيروت عدة مقالات في جريدة الحقيقة بإمضاء (السيد)
دعوت فيها إلى الاتفاق بالحجج الناهضة والأساليب الجاذبة، واجتناب كل ما ينفر
من الغاية المقصودة، فظهر لها تأثير في زيادة ميل المسلمين إلى الاتفاق ولم يظهر
لها في النصارى إلا أثر ضعيف في بعض شبان المدرسة الأمريكانية الجامعة، وقيل
لي: إن آخرين من الأحرار المستقلين قد سروا بها ولكن لم يستجب للدعوة منهم
أحد، ولولا أن كانت تلك المقالات فائضة من روح الإخلاص والإنصاف والتلطف
في الدعوة لوجد فيها المتعصبون من القوم والذين يخدمون سياسة التفرقة مآخذ للرد
عليها ولكنهم لم يجدوا إلى ذلك سبيلا، وقد نقل إلينا أن الاستعداد للاتفاق يقوى
بعمل الزمان عاما بعد عام، حقق الله الآمال.
***
التربية الملية مع التعليم العصري
لقد نام المسلمون نومة اجتماعية أطول من نوم أهل الكهف وأثقل الموقظات
التي تصخ الأسماع تتوالى من حولهم كالصواعق وقد ضرب على آذانهم فهم لا
يسمعون، ولما بعثوا وجدوا ما يعرفون من سير البشر قد تبدل فصار على غير ما
يعهدون: رأوا الغربيين قد سادوا العالم وتولوا إدارة شؤونه في بلادهم وبلاد غيرهم
من حيث يشعر أولئك الأغيار ومن حيث لا يشعرون، فحاروا في أمرهم لا يدرون
ما يصنعون.
ماذا يعملون؟ ولماذا لا يدرون؟ وكيف يعذر بهذا الجهل المسلمون؟ القرآن
يصيح بهم من فوقهم ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾ (الرعد: 11) وشواهد هذه القاعدة الاجتماعية القطعية بين أيديهم وعن أيمانهم
وشمائلهم.
صفات الأنفس التي يتوقف تغيير أحوال الأمم بتغيرها هي ما يبعث على
الأعمال من علوم وأخلاق، وهما يكتسبان بالتعليم والتربية كما ورد في حديث:
(العلم بالتعلم والحلم بالتحلم) فأما العلوم النظرية والفنون العملية، فصناعات آلية،
ترتقي بارتقاء العمران، وليس لها دين ولا وطن، بل يتبع فيها سير العمران
واختلاف الزمان، وأما الأخلاق والملكات النفسية، التي تتجدد بها حياة الأمم
الاجتماعية فهي تختلف باختلاف الأمم في المقومات والمشخصات الملية والقومية،
وتراعى فيها الغرائر القومية والوراثة الجنسية، ف (الناس معادن كمعادن الذهب
والفضة) هم كذلك في أفرادهم، وفي جماعاتهم وأقوامهم، فالقوم يعرض لهم القوة
والضعف، والعز والذل، كما يعرض للمعدن الصقل والصدأ، والتربية والتعليم
للأفراد والأقوام كالصقال للمعدن الذي يظهر رونقه الفطري ويزينه ويعظم الانتفاع
به، ولا يقصد به تبديل جنسه ونوعه بتحويله إلى نوع آخر، فلماذا لم يجار
المسلمون الغربيين في أساليب التربية الملية والتعليم المدني ومدارسهم بين أيديهم
في ديارهم، ولا سيما بيروت منها؟ فأعظم المدارس التي أسسها الإفرنج فيها
المدرسة الإنجيلية الأمريكانية والكلية اليسوعية، فلماذا لم يقتدوا بهم بتأسيس مدرسة
قرآنية أو مدرسة محمدية؟ على أن سائر المدارس التي أسسها الإفرنج وتلاميذهم
من النصارى الوطنيين دينية التربية ومنسوبة إلى البطاركة والقديسين من رجال
دينهم، ويا ليت التربية الدينية فيها كانت مسيحية خالصة من شوائب الأهواء
السياسية، كلا إن كل شعب من شعوب الإفرنج قد بث في مدارسه التي أنشأها في
الشرق دعوة سياسية نفخ فيها من روح الدين والمذهب، فكان ذلك أكبر أسباب