في وقت من الأوقات من ينتفع بهم في مظاهرته على خصمه.
أقول هذا لأني أراه أول شرط من شروط نجاحهم الذي أوده وأتمناه، وقد
ذكرني به مقال رأيته في بعض الجرائد لأحد أفراد حزب الشيخ بخيت يرد به على
سكرتير الوفد المصري فيما عزاه إلى حزبهم من خطأ لا أرى ما أتوخاه من الفائدة
في نقد هذا المقال يتوقف على بيان الخلاف بين هؤلاء الشيوخ وبين الوفد، وهذه
الفائدة بيان خطأ الكاتب فيما كتب كما أخطأ في الباعث على هذه الكتابة وهو ما علم
من التمهيد آنفا.
نشر هذا المقال في جريدة الأخبار بإمضاء (عبد ربه مفتاح، من علماء
الأزهر) وقد وصف فيه الشيوخ الذين خطأهم ناموس الوفد (سكرتيره) ورماهم بما
ينافي الوطنية (كما يفهم من كلام الكاتب) بقوله: (إنهم أشرف وأرقى طائفة في
الأمة، بل في العالم الإسلامي وإنهم قادة الأمة وأمناؤها على وحي الله تعالى الذي به
السعادة الأبدية أو شقاؤها السرمدي) كذا.
ثم قال بعد هذا الوصف: أيها القوم إن لكل مقام مقالا، وإن مقام التكلم مع
رجال الدين وفيهم مثل فضيلة الشيخ بخيت وسماحة السيد البكري شيخ مشايخ
الصوفية وابن أبي بكر الصديق أمين هذه الأمة (؟) يجب ألا يكون كما تكتبون،
رجال الدين في كل زمان ومكان هم أمناء الله على دينه، فمصيبة كبيرة وفتنة
عظمى إذا رميناهم بالمروق من الوطنية من أجل أنهم خالفوا في الرأي شخصا
معينا.
ثم قال: هبوا العلماء أخطأوا في هذا، أليس النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
(اتقوا زلة العالم) ويقول: (لحوم العلماء مسمومة) فلماذا استمرأتموها فأكلتم
منها حتى التخمة؟ اه.
أقول: يا للعجب من هذا العجب والغرور والدعوى العريضة والجرأة على
رواية الحديث والاستدلال بكل ماجرى على الألسنة منه، وإن كان ضعيفا.
من أين علم الأستاذ الكاتب أن هؤلاء الشيوخ الذين وقعوا مع الشيخ بخيت
على ما ارتآه في المسألة المصرية هم أشرف وأرقى طائفة في الأمة، بل العالم
الإسلامي، وهذا شيء لا يمكن أن يعلمه إلا الله تعالى؟ وإن أريد به ظاهر ما عليه
الناس من العلوم النافعة والأعمال الصالحة، دون السرائر التي عليها المعول في
الواقع، فهل طاف الأستاذ الكاتب العالم الإسلامي كله واختبر جميع علمائه
وصلحائه وأحاط علما بدرجات علومهم وكنه أعمالهم وشرفهم في بلادهم، ووضع
شيوخه الذين يرأسهم الشيخ بخيت في كفة ميزان وسائر أولئك العلماء والصلحاء في
كفة، فرجحت كفة شيوخه وشالت كفة أولئك؟
ثم ما معنى التنويه هنا بنسبة السيد البكري إلى الصديق رضي الله تعالى عنه؟
أيجعل هذا كمشيخة الطرق مما يفضل به جميع العالم الإسلامي وهو يعلم كما يعلم
كل من يعرف الناس أن في المنسوبين إلى الصديق وإلى بنت الرسول صلى الله
عليه وسلم وغيرهما من الصحابة: البر والفاجر، وأن مشيخة الطريق هي ما يعد
على الشيخ عبد الحميد البكري ولا يعد له؛ لأنها مشيخة بدع وخرافات ما أنزل الله
بها من سلطان؟
إيه! إيه! أيها الأستاذ أربع على ظلمك، وقف عند حدك، وراقب ربك في
هذه الألقاب والنعوت التي تكيلها جزافا، واعلم أن أمانة الله على وحيه مرتبة عالية
لا تنال بشهادة تؤخذ من الأزهر وأمثاله، ولا بكسوة تشريف من الأمراء
والسلاطين، أين آثار شيوخك في قيادة الأمة التي نحلتهم إياها من الدعوة إلى كتاب
الله وسنة رسوله ومحاربة البدع والخرافات والإلحاد والشبهات بهما؟ راجع ما
كتبه حجة الإسلام الغزالي في الفرق بين علماء السوء وعلماء الآخرة لتعلم أنه ليس
كل من علم شيئا من هذه العلوم الشرعية وآلاتها العربية كما وصفت، وراجع
مراجعة خاصة ما كتبه هو وما كتبه الشعراني في الميزان في حديث (العلماء أمناء
الرسل ما لم يخالطوا السلطان) إلخ.
إيه! إيه! أيها الأستاذ من أين علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما
أسندته إليه؟ هل رويت هذا بالسند عن الشيخ بخيت وأمثاله الذين فضلتهم على