الأوربيين وسوء الاعتقاد فيهم ما لا يمكن أن يتلافى مستقبله الاحتلال العسكري
للبلاد، بل لا يزيده إلا اشتعالا، وهل يوجد بشر يحب الإنسانية يود هذا ويرضاه.
وجملة القول إن جهاد سعد باشا موجه الآن لتقوية الأمة وإعدادها لرد ما
يتوقع من تقييد وفد الحكومة البلاد به بضمها إلى الإمبراطورية البريطانية بأي اسم
من الأسماء، وأي شكل من أشكال الحكم الذاتي بحيث يكون الاتفاق الجديد بين
الحكومتين - إن نفذ - مظهرا من مظاهر القوة لا شية فيه من الحق، وتستمر
الأمة على جهادها له حتى تنال حريتها تامة كاملة بإذن الله وقوته التي لا تعلوها قوة،
ورحمته التي لا تضيع حقا إلا على من فرط في حقه وترك الجهاد في سبيله،
فكان هو المضيع له بمخالفته لسنن الله في العمران.
لهذا الذي شرحناه كنا نعجب جد العجب من طلب سعد لرياسة الوفد الرسمي
وتولي المفاوضة؛ لأننا نعتقد أنه لا يخفى عليه أن الدولة البريطانية يستحيل أن
تسمح بحرية مصر واستقلالها التام بمجرد المفاوضة السياسية، ونقول في أنفسنا:
لم يرد أن يعرض نفسه للفشل إذا كان لا يرضى بجعل الحماية شرعية باسم آخر،
أم يظن أن الاتفاق على توليه أمر المفاوضة كاف في جعل ذلك المجال السياسي
ممكنا وواقعا، ولما اعترض بعض الكتاب كأمين بك الرافعي على دخوله في
المفاوضة الرسمية كنا محبذين لرأيه إذ كان عين رأينا، إلى أن صار شقاقا لزعيم
الأمة؛ لأن الزعامة الممثلة للوحدة فوق كل شيء في هذا المقام. ولم نجد مخرجا
من هذا العجب والحيرة إلا بما جاءتنا به الجرائد الإنكليزية من التصريح برفض
سعد لمشروع ملنر برمته وعدم الرجاء بعقد اتفاق معه يرضي بريطانية العظمى،
فظهر لنا من ذلك أنه كان يخفي في نفسه شيئا أوسع بإخفائه دائرة الجدل ومجال
الشقاق؛ لأن إظهاره يفسد الخطة التي كان يرى أنه لابد منها وهي - أي الخطة -
إما حمل الحكومة بقوة وحدة الأمة على تقييد نفسها بالمرسوم السلطاني الذي طلبه
حتى تكون الحكومة والأمة كلمة واحدة لا يخشى أن يفرقها الدهاء الإنكليزي لينال
مراده من جعل مركزه في مصر شرعيا، وإما جعل الحكومة عاجزة عن عقد اتفاق
مع الدولة البريطانية لا ترضاه الأمة، ويكون حجة عليها، ولو تحقق الشق
الأول من خطته لكانت الأمة المصرية وحكومتها وسلطانها كتلة واحدة وكلمتها
واحدة، وإذ لم يتم، فتأييد الوفد الرسمي والوزارة يحبط الشق الثاني، فتعينت
معارضتها، ولم يكن التصريح بذلك لأعضاء الوفد المتفقين مع عدلي باشا من قبل
ممكنا كما علم مما سبق من التفضيل، بل لم يكن من الممكن أيضا أن يصرح سعد
للأمة عقب عودته بأن الدولة البريطانية تريد منا كذا وكذا وترى أنها لن تجد إليه
سبيلا إلا بقوة حكومة وطنية تصدع بناء الوحدة التي هي قوتنا في إظهار حقنا أمام
قواها الكثيرة التي تعتمد عليها في سلب هذا الحق منا؛ لأن هذا التصريح ينافي
الخطة التي استنبطناها على كونه غير معقول، فإن معناه دعوة الحكومة جهرا من
أعلاها إلى أدناها إلى مقاومة الدولة البريطانية، وهو تصريح لا يأتي من عاقل.
النتيجة
(18) هذا ما ظهر لنا من سياسة سعد باشا وخطته بعد التروي والتمحيص،
ولعل هذا قد خفي على الألوف من الناس بضروب الجدل والمطاعن، وأكثر من
أيد وفد الوزارة الرسمي إنما أيدوه في طلب الاستقلال التام المطلق لمصر
والسودان الذي هو جزء من المملكة المصرية لا يقبل الانفصال، وكثير
منهم يعتقدون أن مطلب سعد وعدلي واحد، وأن عدلي إذا لم يوفق إلى هذا المطلب
فإنه يقطع المفاوضة ويعود بالوفد الرسمي أدراجه خلافا لما يعتقد السعديون كافة.
فالاحتمالات في نتيجة سعي الوفد الرسمي ثلاثة أو أربعة، لكل منها عاقبة.
الاحتمال الأول: عقد الاتفاق مع الحكومة البريطانية على اعترافها باستقلال
مصر مع السودان استقلالا دوليا تاما مطلقا من كل قيد ينافيه مع محالفة بين