تصفو له سائر حياته، بل يصادفها في بعض الأحيان كاشفة له عن وجه كالح وماء
كدر يلجئه الظمأ إلى الشرب منها وإغضاء الجفن عن أقذائها، فهذا التمثيل يريك
أنك لا تستطيع أن تعيش مستقلا عن الإخوان، وأن ليس في طبيعتهم أن يسيروا
في مرضاتك بحيث لا تلاقي منهم طول حياتك إلا ما يلائم طبيعتك ويوافق بغيتك،
ومقتضى هذا أن تشد يدك بعرى صحبتهم وتغضي عما يعرض لهم في بعض
الأوقات من جفاء أو يزلون فيه من عثرات.
أو التحذير مما يرغب فيه، كما قال أبو نواس:
إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت ... له عن عدو في ثياب صديق
لو ذهب إلى ذم الدنيا صراحة وهي حلوة خضرة، لم يأخذه السامع بمأخذ
التسليم، وأنكر أن يكون في لذيذ المذاق جميل المنظر الحذر منه، فعدل إلى إخراج
الذم في مثال يريه كيف يتزيى الشر بزي الخير، ويظهر المؤذي في بهجة ما يعد
نافعا، أو تخفيف الرغبة فيه وتقليل الاهتمام به كما قال المعري:
وإن كان في لبس الفتى شرف له ... فما السيف إلا غمده والحمائل
فمن تمثلت له الملابس بمنزلة الغمد والحمائل من السيف لم يطمح بنظره إلى
تنميقها أو يجهد سعيه في اتخاذها من النسيج الفاخر، وإنما يصرف همته إلى ما
تسمو به النفس من علم وفضيلة، كما أن البطل لا يعبأ بالغمد والحمائل وإنما يقبل
على السيف فينفق وسعه في إجادة صنعه وإرهاف حده.
أو التسلية، كقول صاحبنا الأمير شكيب يسلي البارودي وهو في المنفى:
إن يحجبوك فما ضر النجوم دجى ... ولا زرى السيف يوما طي أغماد
لا بأس إن طال نجز السعد موعده ... فأعذب الماء شربا في فم الصادي
أراد أن ينفث في نفس مراسله كلمة تحل منها عقدة الضجر وتطرد عنها غيم
الوحشة، فذكره بأن ما جرى عليه من التغريب والإخفاء عن أعين من ألفوه وألفهم
قد ابتليت بمثله الكواكب فلم يمسها بنقيصة، ومنيت به السيوف فلم يضع من قيمتها
فتلا، ورام بعد هذا تخفيف ما عساه أن يساور قلبه من لوعة الحنين إلى الوطن
والهم بما طال عليه من الأمد، فأقام له مثالا من حال الماء حيث يكون مذاقه في فم
من بعد عهده به - وهو الظمآن - ألذ وأشهى.
ومما صنعت في غرض التسلية:
بثثت شعاع علمك في نفوس ... تسوق إليك ما اسطاعت حقوقا
كذا الأقمار تكسو الأرض نورا ... ولولا الأرض مالقيت خسوفا
أو إزالة ما يخالط النفس من النفور عن الأمر، أو عده عيبا كما قال الفرزدق:
تفاريق شيب في الشباب لوامع ... وما حسن ليل ليس فيه نجوم
ضرب المثل للشعر الأسود تتخلله شعرات من الشيب بحال ليل داج تتألق في
سمائه الكواكب ليخيل أن الشيب مما يحدث في الخلقة حسنا ويزيدها بهجة حتى
يضع الأنس به مكان التجافي عنه، ومن هذا القبيل قول قابوس:
يا ذا الذي بصروف الدهر غيرنا ... هل عاند الدهر إلا من له خطر
أما ترى البحر تطفو فوقه جيف ... وتستقر بأقصى قعره الدرر
وفي السماء نجوم لا عداد لها ... وليس يكسف إلا الشمس والقمر
أو الدلالة على أن الذي تحكي عنه صفة قد بلغ فيها غاية قصوى؛ لتستدعي له
في نفس المخاطب إجلالا وإشفاقا أو تحقيرا له أو جفاء عنه، ويرجع إلى هذا
الغرض كثير من التخييلات الواردة على طريق المبالغة في المديح والفخر
والاعتذار والهجاء والوشاية، وأمثلتها كثيرة الدوران في كتب الأدب والبيان.
وقد يكون المعنى مما لم تتداوله الأفكار، وليس من البعيد أن يلاقيه المخاطب
بالتعجب الذي هو مطية الإنكار، فيجيء التخييل عقب هذا كما يقول أبو تمام
الأندلسي:
لا يفخر السيف والأقلام في يده ... قد صار قطع سيوف الهند للقصب
فإن يكن أصلها لم يقو قوتها ... فإن في الخمر معنى ليس في العنب
ادعى في البيت الأول أن القطع الذي عهدت به السيوف قد انتقل إلى الأقلام
التي تهزها يد ممدوحه، فلم يبق للسيوف خصلة تفاخر بها، وليست هذه الدعوى
من الجلاء بحيث تفتح لها النفوس باب القبول بسرعة، وأول ما يطعن فيها أن