لا مدخل فيه للخيال، وإذا كان التخييل يلذ للنفس من جهة أنه يكسو المعنى لباسا
جديدا، فيمكن لنا أن نصوغ للمعنى عبارة صريحة غير التي يعرفها المخاطب،
فيأخذ بها صورة جديدة، ولا يفوز التخييل بهذه الفائدة ويختص بها دون التصريح.
والجواب أن الصورة التي تنشأ من العبارات الصريحة وإن تفاوتت في مواقع
البلاغة واختلفت بالإيجاز والإطناب - لا تعد كما تعد الصورة الخيالية غريبة عن
المعنى المراد، ألا ترى أنك تعرض المعنى الواحد في صور خيالية متعددة والشعر
واحد، فيجد السامع عند كل صورة داعية لذة، ولو ألقيت المعنى في عبارة
صريحة ثم بدا لك أن تخرجه في عبارة أخرى تشاكلها في الصراحة والمخاطب
واحد - لقيت في نفس المخاطب سآمة؛ لأنك لم توافها بصورة غريبة تخيل بها أنك
تعبر عن معنى غير ما ألقيته عليها أولا.
فلا أنكر أن الصورة في العبارات الصريحة تتفاوت بحسب اختلاف العبارات
في كيفية تأليفها ومقدار ما تشتمل عليه من المعاني الزائدة عن أصل المراد، وإن
هذا الاختلاف هو الذي يجعلها متفاضلة في مقامات البلاغة، وإنما أذهب إلى أن تلك
الصور وإن أحكمت فسقتها وأضفت إليها من المعاني ما يرتفع به شأنها لا تهيج في
نفس السامع هزة الطرب التي تثيرها العبارات الخيالية.
فالعبارات الخيالية تشارك العبارات الصريحة في جودة نسجها واشتمالها على
المعاني التي ترتقي بها في مدارج البلاغة، وتزيد عليها بإراءتك المعنى في صورة
بديعة تتعشقها النفس وتهتز لوقعها طربا.
ثم إن التخييل لا يخلو في أكثر أحواله من صوغ المعنى في صورة ما تكون
معرفة المخاطب له أقوى وفهمه إليه أسرع، وهذا مما يجعل أنس النفس أوفر
وارتياحها له أكمل.
ولا أحسبك تقع من هذا الوجه في شبهة أو تقف في حيرة حين ترى الوجه
السابق يقتضي أن لذة التخييل جاءت من غرابة الصورة، وهذا يقتضي أن انبساط
النفس لها جاء من جهة إلفها وكثرة التردد عليها، فإن غرابتها بالنظر إلى المعنى
المراد لا تنافي أن تكون معرفتها بهيئاتها أو عناصرها أجلى لدى المخاطب في ذاتها،
فالشاعر الذي يقول:
كأن شعاع الشمس في كل غدوة ... على ورق الأشجار أول طالع
دنانير في كف الأشل يضمها ... لقبض فتهوى من فروج الأصابع
قد خيل إليك حال تدفق الأشعة وقت الغداة وتجليها على الأوراق في صبغتها
الصفراء في صورة دنانير يضم عليها الأشل يده ليقبض عليها، فتنساب من بين
أصابعه متساقطة إلى الأرض. وهذه الصورة - بالنظر إلى مساق الحديث وهو حال
الأشعة - غريبة، ولكنها في نفسها جلية، إذ السامع للبيتين وإن لم يشاهد من قبلهما
دنانير تتناثر من يد الأشل فإن المواد المؤلفة منها الصورة كالدنانير ويد المرتعش
من أوضح معلوماته.
وللتخييل بعد هذا أغراض خاصة يرمي إليها الأدباء ويتفاوتون في التمكن
منها، ولا يسع هذا المقال سوى أن نلم بمهماتها فنقول:
قد يقصد الشاعر من التخييل تقوية الداعية إلى الأخذ بالشيء حيث يصوره
بصورة ما لا يستغنى عنه، كما قال بشار:
فلا تجعل الشورى عليك غضاضة ... فإن الخوافي قوة للقوادم
ضرب المثل للشورى في تثبيت الرأي وإقامته على وجه السداد بالخوافي من
الجوانح حيث تساعد القوادم على الطيران، وهذا التمثيل يلقي في نفس السامع أنه
محتاج إلى الشورى حاجة القوادم إلى الخوافي، ويؤكد داعيته إلى العمل على سنتها
أو الحث على الثبات والصبر على الأمر حيث يخرجه في مثال ما لا يمكن بطبيعة
هذه الحياة الخلاص منه، كما قال بشار أيضا:
إذا كنت في كل الأمور معاتبا ... صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه
فعش واحدا أو صل أخاك فإنه ... مقارف ذنب مرة ومجانبه
إذا أنت لم تشرب مرارا على القذى ... ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه
فالأبيات مسوقة في الإرشاد إلى تحمل ما يصدر عن الإخوان من جفاء أو
هفوة، فضرب لهم المثل بالمشارب حيث لا مندوحة للإنسان عن ورودها، وهي لا