تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإذا كان الرسول صفته أنه من أنفسكم أو من أنفسكم أو يحبكم حبا يعز عليه أن تكونوا في مشقة. إذن: فخذوا توجيهاته بحسن الظن وبحسن الرأي فيها، وذلك هو القانون التربوي الذي يجب أن يسود الدنيا كلها. فقد يقسو والد على ولده بأوامر ونواه: " افعل كذا " و " لا تفعل كذا " لا تذهب إلى المكان الفلاني، ولا تجلس إلى فلان، ولا تسهر خارج المنزل بعد الساعة كذا. كل هذه أوامر قد تشق على الولد فنقول له: مشقة التكليف ممن صدرت؟ لقد صدرت من أبيك الذي تعرف حبه لك، والذي يشقى ليوفر لك بناء المستقبل، ويتعب لترتاح أنت، فكيف تسمح لنفسك أن تصادق صعاليك يخرجونك عن طاعة أبيك إلى اللهو وإلى الشر. وانظر إلى والدك الذي تحمل المشقة حتى لا تتحمل أنت المشقة، ويشق عليه أن تتعب فهو أولى بأن تسمع كلامه. ورسول الله صلى الله عليه وسلم عزيز عليه مشقتكم، والمشقات أنواع: مشقات في الدنيا تتمثل في التكاليف التي يتطلبها الإيمان، ولكنها تمنع مشقات أخلد في الآخرة لذلك فالرسول صلى الله عليه وسلم يحزن أن ينالكم في الآخرة تعب، وتعب الدنيا موقوت وينتهي، لكن تعب الآخرة هو الذي يرهق حقا ويتعب. ولذلك يقول الحق في تصوير هذه المسألة بقوله:

فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا

[الكهف: 6]. لماذا؟ لأنك تعرف يا محمد أنهم إن لم ينتهوا فسوف يجدون العنت كله في الآخرة. أو أن مشقة الآخرة هي التي يجب أن نتلافاها، وأن نتحمل المشقات الزائلة العرضية التي تورد ثمارا. فنحن قد نجد الرجل يقول لابنه مثلا: اخرج إلى الحقل، واحمل السباخ فوق الحمار واحرث وارو، كل هذه مشقات ستجد لذتها يوم الحصاد، وتعطيك الأرض من خير الله كذا إردب قمحا أو غير ذلك. ولو ترك الأب ابنه لكسله فهذه هي المشكلة الأكبر، وحث الأب لابنه على العمل هو دفع لمغبة الضياع.

وقد يأخذ الأب ابنه للطبيب، ويجد الطبيب مشغولا، ويرجوه الأب أن يجري للابن جراحة تنجيه وتنقذه من خطر رغم أن الأب يعلم أن الطبيب سيستخدم مع ابنه أدوات جراحية كالمشارط وغيرها، ولكن ليعلم الابن أن هذا المشرط سيمس أباك قبل أن يمسك، وعلى ذلك إذا أمرت بتكليف شاق فانظر من أمرك؟ أهو ممن تعز عليه ومن تحبه وممن يريد لك الخير؟ إن كان الأمر كذلك فعليك أن تقبل ولا تسيء الظن، ولا ترهق من يحبك. واعلم أن والدك حين يصرفك عن أصدقاء السوء - مثلا - فهو يرد عنك مصارف الشر لأنك إن اجتهدت في عملك فسوف تحصد النتيجة الطيبة، أما إن اتجهت إلى مصارف الشر فسوف تشرد وتجوع، وسوف تدق باب بيت أبيك. وعندئذ ستسمع مثلا عاميا يلخص الحكمة التي تقول " من يأكل لقمتي فليسمع كلمتي ". وهنا يقول الحق: ﴿ لقد جآءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم ﴾ ومعنى الحرص: أن يحوطكم بالرعاية حتى لا تقعوا في المشقة الأكبر. ولذلك قلنا: إن الرسول صلى الله عليه وسلم قد صور هذه المسألة بقوله صلى الله عليه وسلم:

" مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد نارا فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها وهو يذبهن عنها وأنا آخذ بحجزكم عن النار - أي أمسككم من خلفكم حتى لا تذهبوا إلى النار - وأنتم تفلتون من يدي "

والحق يسري عن رسوله صلى الله عليه وسلم فيقول:

فلعلك باخع نفسك على آثارهم...

[الكهف: 6]. ويقول الحق أيضا لرسوله:

لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين

[الشعراء: 3]. فالرسول صلى الله عليه وسلم يدعو الناس إلى إتقان العمل في الدنيا ليصلوا إلى الجنة في الآخرة لأن كل مؤمن عزيز عليه صلى الله عليه وسلم ويخشى أن يرهق إنسان واحد في الآخرة، ولذلك قال الحق:

لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين * إن نشأ ننزل عليهم من السمآء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين

[الشعراء: 3-4]. أي: إياك أن تحزن أنك حريص على أن يؤمنوا لأن الحق سبحانه يقدر أن ينزل عليهم آية تجعل رقابهم خاضعة، ولكن الرب لا يريد رقابا تخضع وإنما يريد قلوبا تخشع. ﴿ عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم ﴾ والرأفة والرحمة قد تلتقيان في المعنى العام، ولكن هناك أمورا تسلب مضرة، وأمورا تجلب منافع. وسلب المضرات - دائما - مقدم على جلب المنافع، فحين نواجه عملا يضر وعملا ينفع نقدم على العمل لدرء ما يضر، ثم ننجز العمل النافع. وساعة يطرأ عليك أمر يضر، وأمر ينفع، وأنت في حال متساوية ولا بد أن تدرأ عن نفسك الأمر الضار الذي يخرجك عن الاستواء، ثم تقبل على الأمر الذي يزيد من الارتقاء.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٣٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٣٥٤