تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول...

[المجادلة: 8]. بالله عندما يسمع الرجل من هؤلاء لما قاله في نفسه، ويخبره رسول الله بما قال، فمن الذي هتك الحجاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟ إن الذي هتك الحجاب لرسول الله هو من يعلم السر وأخفى فلا توجد حجب غائبة عن الله لأن حجب الغيب إنما تكون على البشر حجاب ماض، وحجاب مستقبل، وحجاب مكان، وحجاب زمان. ﴿ ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب ﴾ أي: أن علم الله ليس مقصورا على معرفة أمورهم هم، بل علم الله سرهم ونجواهم لأن صفته القيومية، وأنه علام الغيوب يعلم غيب هذا، وغيب هذا، وغيب هذا، وغيب هذا، وجاءت المبالغة من تكرار علم غيب كل أحد. إذن: ﴿ علام الغيوب ﴾ تعني أنه يعلم حتى ما حاولت كتمه وستره، فقد قال سبحانه:

إنهآ إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله...

[لقمان: 16]. إذن: فعلم الحق جل جلاله لا يغيب عنه شيء. ثم ينقلنا الحق سبحانه وتعالى إلى صورة أخرى من صور المنافقين وما يفعلونه بالمؤمنين.. فقال جل جلاله: ﴿ الذين يلمزون المطوعين... ﴾.

9.79

واللمز: معناه العيب، ولكن بطريق خفي، كإشارة بالعين أو باليد أو بالفم أو بغير ذلك. إذن: فهناك مجموعة من المنافقين يعيبون في المطوعين لجمع الزكاة من المؤمنين، ومن هؤلاء المنافقين من يعيب بالقول، ومن يعيب بالفعل، ومن يعيب بالإشارة، والمطوعون هم الذين يتطوعون بشيء زائد من جنس ما فرض الله. فالله فرض مثلا خمس صلوات، وهناك من يصلي خمس صلوات أخرى تطوعا، وفرض الحق الزكاة اثنين ونصفا بالمائة، وهناك من يصرف عشرة بالمائة تطوعا، وفرض الحق صيام شهر رمضان، وهناك من يصوم فوق ذلك كل اثنين وخميس. وهذا ما نسميه دخول المؤمن في مقام الإحسان بأن تتقرب إلى الله بما يزيد على ما فرضه الله عليك، من جنس ما فرضه الله. وأنت إن أديت المفروض تكون قد التزمت بالمنهج، وقد سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن فرائض الإسلام ثم قال: لا أزيد ولا أنقص، فقال الرسول الكريم:

" أفلح إن صدق ".

والزيادة على ما فرضه الله، ومن جنس ما فرض يكون لها ملحظان: الأول: أن العبد يشهد لربه بالرحمة لأنه كلف دون ما يستحق. والملحظ الثاني: هو أن عمل الطاعة قد خفف على المؤمن فاستراح بها. ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة:

" أرحنا بها يا بلال ".

إذن: فالمطوع هو الذي يزيد على ما فرض الله عليه من جنس ما فرض الله وهؤلاء هم المحسنون الذين قال الحق عنهم في سورة الذاريات:

إن المتقين في جنات وعيون * آخذين مآ آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين * كانوا قليلا من الليل ما يهجعون * وبالأسحار هم يستغفرون * وفي أموالهم حق للسآئل والمحروم

[الذاريات: 15-19]. فالمنهج لا يلزمني بأن أنام قليلا من الليل وأقضي بقيته في الصلاة، ولم يلزمني أحد بالاستغفار في الأسحار. ولم يقل الله سبحانه في هذه الآية إن في المال حقا معلوما لأن الإنسان المؤمن هنا يعطي بأكثر مما فرض. وعندما يتطوع مؤمن ويزيد على ما فرض الله، أيستحق أن يذم ويعاب ويلمز؟ أم أنه يستحق أن يكرم ويقدر؟ ولكنه اختلال موازين المنافقين في الحكم على الأشياء. لذلك اعتبروا الحسنة نقيصة، تماما كالذي يخرج ماله للفقراء، ونجد من يسخر منه بالقول عنه " إنه أبله " ، مع أن المؤمن حين يتصدق كثيرا فهو يشيع فائدة ماله في المجتمع، وهو الأكثر ذكاء منهم لأنهم أنفقوا المال على أنفسهم فأفنوه، بينما تصدق هو به فأبقاه. وقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات ﴾ لها واقعة، فقد هاجر عبد الرحمن بن عوف إلى المدينة، وترك أمواله وكل ما يملك في مكة، وآخى رسول الله بين المهاجرين والأنصار، فجعل لكل رجل من الأنصار رجلا من المهاجرين يشاركه في ماله.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٢٦٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٢٦٧