9.85
ونعلم أن الحق قال في آية سابقة:
فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحيوة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون
[التوبة: 55]. والنص القرآني إذا ما اتفق مع نص آخر، نقول: إن الأداء الخاص ومقتضيات الأحوال تختلف، ومن ينظر إلى خصوصيات ومقتضيات الأحوال يعلم أن هذا تأسيس وليس تكرارا، فقد تحمل آيتان معنى عاما واحدا، ولكن كل آية تمس خصوصية العطاء، ولنأخذ مثالا من قوله الحق:
ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم...
[الأنعام: 151]. وقوله تعالى:
ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم...
[الإسراء: 31]. وقد ادعى بعض المستشرقين أن في القرآن تكرارا، وهذا غير صحيح لأنهم ينظرون إلى عموم الآية ولا ينظرون إلى خصوصية العطاء. وخصوصية العطاء في الآية توافق مقتضى كل حال. ففي قوله سبحانه عن رزق الأولاد لم يلتفتوا إلى صدري الآيتين بل التفتوا إلى عجز الآيتين، وذلك من جهلهم بملكة الأداء في البيان العربي. ولنا أن نسأل هؤلاء المستشرقين الذين يثيرون مثل هذه الأقاويل: هل ترون أن آية من الآيتين أقل بلاغة من الأخرى؟ ولن نجد إجابة عندهم لأنهم لا يعرفون دقة البيان العربي. ونقول لهم: أنتم إن نظرتم إلى عجز كل آية وصدرها لوجدتم أن آخر الآية يقتضي أولها، وإلا لما استقام المعنى، فالله سبحانه وتعالى لم يقل في الآيتين: ﴿ ولا تقتلوا أولادكم من إملاق ﴾ وإنما قال: ﴿ من إملاق ﴾ ، وقال: ﴿ خشية إملاق ﴾ ولم يقل في الآيتين: ﴿ نحن نرزقهم وإياكم ﴾ بل قال: ﴿ نحن نرزقهم وإياكم ﴾ وقال: ﴿ نحن نرزقكم وإياهم ﴾. إذن: فبداية الآيتين مختلفة الآية الأولى: ﴿ ولا تقتلوا أولادكم من إملاق ﴾. والإملاق هو الفقر، فكأن الفقر موجود فعلا. وقوله تعالى: ﴿ ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق ﴾ ، فكأن الفقر غير موجود، ولكن الإنسان قد يخشى أن يأتي الفقر بمجيء الأولاد. إذن: فالآية الأولى تخاطب الفقراء فعلا، والآية الثانية تخاطب غير الفقراء الذين يخشون مجيء الفقر إن رزقوا بأولاد والفقير - كما نعلم - يشغل برزقه أولا قبل أن يشغل برزق أولاده. ولذلك يطمئنه الحق سبحانه وتعالى على أن أولاده لن يأخذوا من رزقه شيئا، فيقول: ﴿ نحن نرزقكم وإياهم ﴾ أي: اطمئن أيها الفقير على رزقك فلن يأخذ أولادك منه شيئا لأن الحق سبحانه وتعالى يرزقك أولا ويرزق أولادك أيضا. أما غير الفقير الذي يخشى أن يجيء الولد ومعه الفقر فقد ينشغل بأن المولود الجديد سيأتي ليحول غناه إلى فقر. ويخاطبه الحق سبحانه وتعالى بقوله: ﴿ نحن نرزقهم وإياكم ﴾ أي: أن رزقهم يأتي من عند الله قبل رزقكم أنتم، فلا تخشوا الفقر وتقتلوا أولادكم لأن الحق سبحانه وتعالى سيرزقهم، فلن يصيبكم الفقر بسبب الأولاد.
وهكذا نرى أن معنى الآيتين مختلف تماما وليس هناك تكرار. كذلك في الآية التي نحن بصددها، يقول بعض الناس: إن هذه الآية قد وردت في نفس السورة، نقول لهم: نعم. ولكن هذه لها معنى والأخرى لها معنى آخر فأين الاختلاف في الآيتين حتى نعرف أنهما ليستا مكررتين؟ الآية الأولى تقول:
فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحيوة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون
[التوبة: 55]. والآية الثانية التي نحن بصددها تقول: ﴿ ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون ﴾ [التوبة: 85]. أول اختلاف نجده في بداية الآيتين ففي الآية الأولى: ﴿ فلا تعجبك ﴾ ، والثانية: ﴿ ولا تعجبك ﴾. ففي الآية الأولى جاء الحق سبحانه وتعالى بالفاء، والفاء تقتضي الترتيب. إذن: فهذه الآية مترتبة على ما قبلها، وهي قوله تعالى:
وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلوة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون