9.31
و " الحبر " هو لقب عند اليهود، وهو العالم. ويقال في اللغة " حبر " أو " حبر " أي رجل يدقق الكلام ويزنه بأسلوب عالم. والرهبان عند النصارى والمقصود بهم المنقطعون للعبادة، فالحبر عالم اليهود، والراهب عابد النصارى، أما عالم النصارى فيسمى " قسيس " ولذلك قال الحق سبحانه وتعالى:
قسيسين ورهبانا
[المائدة: 82]. فإن قصدنا عالم الدين المسيحي قلنا: " قسيس " ، وإن قصدنا رجل التطبيق أي العابد قلنا: " الراهب " والراهب هو من يقول: إنه انقطع لعبادة الله فوق ما طلب الله منه من جنس ما طلب، ونعلم أنه لا رهبانية في الإسلام، ولكن الإنسان يستطيع أن يتقرب إلى الله كما يحلو له من جنس ما طلب الله منه، فإن كان الحق عز وجل قد أمر بإقامة الصلاة خمس مرات في اليوم، فالمسلم الذي يرغب في زيادة التقرب إلى الله يمكنه أن يصلي ضعف عدد مرات الصلاة، وإذا كان الحق سبحانه قد فرض أن تكون الزكاة بمقدار اثنين ونصف في المائة، فالعبد الصالح قد يزيد ذلك بضعفه أو أضعافه. وهذه زيادة من جنس ما فرض الله تعالى وزيادة، وهذا يعني في الإسلام الدخول إلى مقام الإحسان، واقرأ إن شئت قول الحق تبارك وتعالى:
إن المتقين في جنات وعيون * آخذين مآ آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين
[الذاريات: 15-16]. أي: أنهم قد دخلوا إلى مقام الإحسان أي ارتقوا فوق مقام الإيمان. ويزيدنا الحق علما بمقام الإحسان فيقول:
كانوا قليلا من الليل ما يهجعون * وبالأسحار هم يستغفرون * وفي أموالهم حق للسآئل والمحروم
[الذاريات: 17-19]. وسبحانه لا يطلب منا في فروض الدين ألا نهجع إلا قليلا من الليل، بل نصلي العشاء وننام إلى الفجر. لكن إن قام الإنسان منا وتهجد فذلك زيادة عما فرض الله ولكنه من جنس ما فرض الله. وكذلك الاستغفار فمن تطوع به فهو خير له. وكذلك الصدقة على غير المحتاج، فهنا زيادة في العطاء على ما فرضه الله من الزكاة التي حددت من قبل في قول الحق تبارك وتعالى:
والذين في أموالهم حق معلوم
[المعارج: 24]. والرهبانية كانت رغبة من بعضهم في الدخول إلى مقام الإحسان، ولكن الحق لم يفرضها عليهم لأنه هو الذي خلق وعلم أزلا قدرات من خلق، لذلك قال سبحانه وتعالى:
ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم
[الحديد: 27]. هم إذن قد ابتدعوها ابتغاء رضوان الله وزيادة في العبادة، وليس في ذلك ملامة عليهم، ولكنها ضد الطبيعة البشرية لذلك لم يراعوا الرهبانية حق رعايتها، ويقول المولى سبحانه وتعالى هنا في الآية الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا عنها: ﴿ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا ﴾ [التوبة: 31].
فهل معنى ذلك أنهم يقولون للحبر أو الراهب " رب "؟ لا، ولكن كانت معاملتهم لهم كمن يعامل ربه لأن الله هو الذي يحل ويحرم ب " افعل " و " لا تفعل " ، فإذا جاء هؤلاء الأحبار وأحلوا شيئا حرمه الله أو حرموا شيئا أحله الله، فهم إنما قد أخذوا صفة الألوهية فوصفوهم بها لأن التحليل والتحريم هي سلطة الله، فلذلك
" عندما دخل عدي بن حاتم على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجد الرسول صلى الله عليه وسلم في عنق الرجل صليبا من الذهب أو من الفضة قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اخلع هذا الوثن "
، ومن أدب الرجل مع الرسول خلع الصليب. وقال صلى الله عليه وسلم:
" " إنكم لتتخذون الأحبار والرهبان أربابا ". فقال الرجل: نحن لا نعبدهم.. قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أولا تطيعونهم فيما حرموا وأحلوا؟ قال: نعم. قال: تلك هي العبادة ".
﴿ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم ﴾ [التوبة: 31]. ولسائل أن يسأل: وما معنى عطف المسيح على الأرباب، وعلى الأحبار والرهبان؟ والإجابة: إن الذي يحلل ويحرم إن لم يكن رسولا، فهو إنسان يطلب السلطة الزمنية، وذلك لا يتأتى من الرسول لأن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما جاء ليلفت الناس إلى عبادة الله بما شرعه الله، وعيسى عليه السلام هو رسول لم يقم إلا بالبلاغ عن الله، ولكن البعض أخطأ التقدير وظن أنه ابن الله، ولذلك يتابع الحق قوله: ﴿ ومآ أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون ﴾ [التوبة: 31] وهكذا يذكر الحق أن الأمر لم يصدر منه سبحانه وتعالى إلا بأن يعبد من يؤمن بالرسالات الإله الواحد. ورسولنا صلى الله عليه وسلم يقول: