تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما إذا قلنا: ﴿ لا يعلمون ﴾ فالمقصود أنهم لا يفهمون ولا يتعلمون. إذن: نفي العلم ينسب إلى طبع الله على قلوبهم، أما نفي الفقه فينسب نسبة عامة للفعل المبني للمجهول. فعندما نفى الحق سبحانه وتعالى الفقه عنهم بالفعل المبني للمجهول أوضح أنهم بنفاقهم لا يفقهون، ولكنه سبحانه وتعالى لم ينف احتمال أن يعلموا من غيرهم في المستقبل. ولكن عندما قال الحق: ﴿ فهم لا يعلمون ﴾ قد نفى عنهم - أيضا - العلم بذواتهم، وكذلك نفى قدرتهم على العلم من غيرهم، وهذه أقوى أثرا، وبذلك يكون الطبع على قلوبهم أقوى لأنهم رفضوا العلم من ذواتهم ورفضوه من غيرهم. ولذلك نجد ﴿ لا يفقهون ﴾ في موضع، ونجد ﴿ لا يعلمون ﴾ في موضع آخر، وكل تناسب موقعها الذي قيلت فيه. ثم يقول سبحانه: ﴿ يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم... ﴾.

9.94

ومعنى " يعتذر " أي: يبدي عذرا عن شيء يخرجه من اللوم أو التوبيخ، ويقال: " اعتذر فلان " أي: فعل شيئا مظنة أنه ذم، فيريد أن يعتذر عنه. والحق هنا يقول: ﴿ يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم ﴾ وفي آية سابقة يقول مخاطبا النبي صلى الله عليه وسلم:

فإن رجعك الله إلى طآئفة منهم...

[التوبة: 83]. وهكذا نلاحظ أنه سبحانه حين نسب الرجوع إلى الصحابة والمجاهدين قال: ﴿ رجعتم ﴾ ، وعندما نسبه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ﴿ فإن رجعك الله ﴾ مما يدلنا على أن زمام محمد صلى الله عليه وسلم بيد ربه وحده، ولكن زمام أتباعه يكون باختيارهم. وهنا يقول الحق: ﴿ يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم ﴾ ويأتي بعدها ذلك الرد الواضح على محاولة المنافقين في الاعتذار: ﴿ قل لا تعتذروا ﴾ ، وفي هذا رد حاسم، فأنت حين يعتذر إليك إنسان فقد تستمع لعذره ولكنك لا تقبله، ومجرد استماعك للعذر معناه أن هناك احتمالا في أن يكون هذا العذر مقبولا أو مرفوضا، ولكن حين ترفض مجرد سماع العذر، فمعنى ذلك ألا وجه للمعذرة. والحق سبحانه وتعالى يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿ قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم ﴾ فكأنما ساعة أقبل المنافقون على رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وتهيأوا للاعتذار وقبل أن ينطقوا بالعذر أوضح لهم الرسول عليه الصلاة والسلام: لا تعتذروا، ورفض مجرد إبدائهم للعذر. ثم فاجأهم بالحكم في قوله تعالى: ﴿ لن نؤمن لكم ﴾ ومادة " آمن " تدور حول عدة معان، نقول " آمن " أي: اعتقد وصدق مثل قولنا: " آمن بالله " ، ويقال: " آمن بالشيء " أي: صدقه، و " آمن بكذا " أي: صدق ما قيل. والحق هو القائل:

فمآ آمن لموسى...

[يونس: 83]. وقال إخوة يوسف لأبيهم:

ومآ أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين

[يوسف: 17]. أي: لن تصدقنا. وآمن إذا تعدت بالباء فمعناها الاعتقاد، وإن تعدت باللام فمعناها التصديق، وإن تعدت بغير الباء وغير اللام فمعناها إعطاء الأمان، مثل قوله تعالى:

فليعبدوا رب هذا البيت * الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف

[قريش: 3-4]. وتجيء أيضا " آمن " و " أمن " بمعنى الائتمان، مثل قول الحق سبحانه وتعالى على لسان يعقوب:

هل آمنكم عليه إلا كمآ أمنتكم على أخيه من قبل...

[يوسف: 64]. إذن: ف " آمن " إن تعدت بالباء فيكون معناها الاعتقاد الإيماني، وإن تعدت باللام فمعناها التصديق، وإن تعدت بنفسها إلى الفعل فهي إعطاء الأمان والسلام والاطمئنان، وإن تعدت بالمفعول أيضا فمعناها القدرة على أداء الأمانات، مصداقا لقوله الحق:

ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قآئما...

[آل عمران: 75]. وفي الآية التي نحن بصددها يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم ﴾ أي: لن نصدقكم. فقد جاء المنافقون ليعتذروا بأعذار كاذبة، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفض مجرد سماع الاعتذار، وأعلن لهم: لن نصدقكم. ولو امتلك المنافقون ذرة من ذكاء لفهموا أن رب محمد عليه الصلاة والسلام قد أخبره بكل شيء حتى بما في قلوبهم قبل أن ينطقوه، ولو امتلكوا ذرة من فطنة لرجعوا عن نفاقهم، ولدخلوا في الإيمان، ولكنهم لم يستوعبوا الدرس، فجاء الحق سبحانه وتعالى بالأمر واضحا في قوله سبحانه: ﴿ قد نبأنا الله من أخباركم ﴾ فكأن المسألة ليست فراسة استنتاج، ولكنها وحي من الله. ثم يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿ وسيرى الله عملكم ورسوله ﴾. ما هو العمل الذي سيراه الله سبحانه وتعالى ورسوله، بعد أن رفض رسول الله عذرهم، وأخبرهم بأن الله قد أخبره بما يخفونه من كذب في صدورهم؟ فسبحانه العالم بالسرائر كلها، لقد شاء سبحانه ألا يغلق أمامهم باب المرجع إليه، وكان يجب من بعد ذلك أن يرتدعوا وأن يتيقنوا أن رب محمد صلى الله عليه وسلم لا تخفى عليه حتى نواياهم. وما دمتم قد علمتم صدق محمد صلى الله عليه وسلم في كل ما أبلغكم به، أصبح عليكم - إذن - أن ترجعوا وتخرجوا من دائرة النفاق لتدخلوا حظيرة الإيمان وتراكم الدنيا من بعد ذلك وقد اختلفت أعمالكم من النفاق إلى الإيمان، أما إن أصررتم على ما أنتم فيه فمعنى ذلك أنكم لم تستفيدوا من العملية الإعجازية التي أنبأ الله فيها رسوله بكذبكم. إذن: فقد فتح الله باب التوبة أمامكم رحمة منه سبحانه، فانتهزوا هذه الفرصة لأنه سبحانه سيرى أعمالكم في المستقبل، وعلى أساس هذه الرؤية يرتب لكم الجزاء على ما يكون منكم. ولذلك يقول الحق سبحانه: ﴿ ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون ﴾ [التوبة: 94]. وما دام سبحانه عالم الغيب، فمن باب أولى أنه عليم بعالم الشهادة. والغيب - كما نعرف - هو ما غاب عنك، فلم تعرف عنه شيئا. ولكن إن غاب عنك ولم يغب عن غيرك فهو غيب نسبي لأن هناك حجبا منعت عنك العلم، والمثال: إن سرق منك شيء فأنت لا تعرف السارق ولكن السارق نفسه يعرف، ومن شاركه يعرف. والذي أخفى السارق عنده المسروقات يعرف. والذي ابتاع المسروقات يعرف. إذن: فهو غيب عنك وليس غيبا على غيرك. أما الغيب المطلق فهو ما غاب عنك وعن غيرك، وهناك من يلجأ إلى الدجالين ممن يدعون قراءة الأفكار، ويسمونهم المنومين المغناطيسيين، ويطلب المنوم من أي واحد أن يخرج ما في جيبه من نقود وأن يقوم بعدها، ثم يخبره بعددها، وإن أردت أن تكشف ألاعيبه ضع يدك في جيبك وأخرج كمية من النقود لا تعرف أنت مقدارها، واسأله عن هذا المقدار فلن يعرف، لماذا؟ لأنك نقلت المسألة من غيب قد يعرفه غيرك إلى غيب مطلق.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٢٩٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٢٩٢