تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إذا تم شيء بدأ نقصه

ترقب زوالا إذا قيل تم

لأن كل شيء ابن أغيار لا بد أن ينزل إلى أسفل، ويوضح الحق سبحانه وتعالى للمؤمنين أنه إذا كان قد طلب منهم أن يعزلوا أنفسهم عن مجتمع الكفر فأفقدهم بذلك قوة ونصيرا، فهم في منعة أكبر لأنهم حينئذ يكونون مع الله، والله هو النصير، وليس هذا كلاما نظريا، وإنما هو كلام مؤكد بالوقائع التي شهدتموها، وسبحانه وتعالى يقول بعد ذلك: ﴿ لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم... ﴾.

9.25

وقوله: ﴿ لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ﴾ [التوبة: 25] يلفتنا إلى أن النصر يكون من عند الله وحده، والدليل على أن النصر من عند الله أنه سبحانه قد نصر رسوله والذين معه في مواطن كثيرة، و ﴿ مواطن ﴾ [التوبة: 25] جمع " موطن " والموطن هو ما استوطنت فيه. وكل الناس مستوطنون في الأرض، وكل جماعة منا تحيز مكانا من الأرض ليكون وطنا لها، والوطن مكان محدد نعيش فيه من الوطن العام الذي هو الأرض لأن الأرض موطن البشرية كلها، ولكن الناس موزعون عليها، وكل جماعة منهم تحيا في حيز تروح عليه وتغدو إليه وتقيم فيه. والله سبحانه هنا يقول: ﴿ لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ﴾ [التوبة: 25]، وما دام الحديث عن النصر، يكون المعنى: إن الحق سبحانه قد نصركم في مواطن الحرب أي مواقعها، مثل يوم بدر، ويوم الحديبية، ويوم بني النضير، ويوم الأحزاب، ويوم مكة، وكل هذه كانت مواقع نصر من الله للمسلمين، ولكنه في هذه الآية يخص يوما واحدا بالذكر بعد الكلام عن المواطن الكثيرة، فبعد أن تحدث إجمالا عن المعارك الكثيرة يقول: ﴿ ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم ﴾ [التوبة: 25] فكثرة عدد المؤمنين في يوم حنين كان ظرفا خاصا، أما المواطن الأخرى، مثل يوم بدر فقد كانوا قلة، ويوم فتح مكة كانوا كثرة، ولكنهم لم يعجبوا لم يختالوا بذلك، إذن: ففي يوم حنين اجتمعت لهم الكثرة مع الإعجاب، وبذلك يكون يوم حنين له مزية، فهو يوم خاص بعد الحديث العام. ﴿ ويوم حنين إذ أعجبتكم ﴾ [التوبة: 25] هذا الإعجاب ظرف ممدود على اليوم نفسه، إذن فيوم حنين ليس معطوفا على ﴿ مواطن كثيرة ﴾ [التوبة: 25] ولكنه جملة مستقلة بنفسها لأن الكثرة والإعجاب بالكثرة لم تكن في بقية المواطن، وهذه دقة في الأداء اللغوي تتطلب بحثا لغويا. فكلمة ﴿ مواطن ﴾ [التوبة: 25] هي ظرف مكان، و ﴿ يوم حنين ﴾ [التوبة: 25] هي ظرف زمان، فكيف جاز أن نعطف ظرف الزمان على ظرف المكان؟ ونقول: هذا هو ما يسميه العرب " احتباك " لأن كل حدث مثل " أكل " و " شرب " و " ضرب " و " ذاكر " كل حدث لا بد له من زمان ولا بد له من مكان، فإذا قلت: أكلت، نقول: متى؟ في الصبح، أو في الظهر، أو في العصر، أو في العشاء؟ وأين؟ في البيت، أو في الفندق، أو في المطعم، أو في الشارع. إذن: فلا بد لكل حدث من ظرف زمان وظرف مكان، فإذا راعيت ذلك أخذت الظرفية المطلقة ظرفية مكان حدوث الفعل، وظرفية زمان حدوث الفعل.

فإذا قلت: أكلت الساعة الثالثة ولم أسألك أين تم الأكل؟ أو إذا قلت: أكلت في البيت ولم أسألك عن موعد الأكل ظهرا أو عصرا أو ليلا، يكون الحدث غير كامل الظرفية. ومعلوم أن الزمان والمكان يشتركان في الظرفية، ولكنهما يختلفان، فالمكان ظرف ثابت لا يتغير. والزمان دائم التغير، فهناك الصبح والظهر والعصر والمغرب والعشاء. والزمان يدور، هناك ماض وحاضر ومستقبل، وهكذا يشترك الزمان والمكان في الظرفية، ولكن الزمان ظرف متغير، أما المكان فهو ظرف ثابت. وجاءت الآية هنا بالاثنين، ف ﴿ ويوم حنين ﴾ [التوبة: 25] هو زمان ومكان لحدث عظيم، وأخذت الآية ظرف المكان في ﴿ مواطن كثيرة ﴾ [التوبة: 25] وظرف الزمان في ﴿ ويوم حنين ﴾ [التوبة: 25] فإذا قيل: لم يحضر ظرف الزمان والمكان في كل واحدة، نقول: لا، لقد حضر ظرف المكان في ناحية وظرف الزمان في ناحية ثانية، وهذا يسمونه كما قلنا " احتباك ". وقد حذف من الأول ما يدل عليه الثاني، وحذف من الثاني ما يدل عليه الأول، فكان المعنى: لقد نصركم الله يوم مواطن كذا وكذا. فإذا عطفت عليها يوم حنين يكون المعنى " ومواطن يوم حنين " ، أي: جاء بالاثنين هنا. ولكن شاء الله سبحانه وتعالى ألا يكون هناك تكرار، فأحضر واحدة هنا وواحدة هنا، وهذا يظهر واضحا في قوله تعالى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢١٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢١٣٨